الثلاثاء، 27 ديسمبر، 2016

ذرية إسماعيل المباركة 6

ذرية إسماعيل المباركة:
 وقد قال ميخا النبي عن مكة والبيت الحرام وعن إتيان الناس للحج عند جبل عرفات: " يكون في آخر الأيام بيت الرب مبنياً على قلل الجبال، وفي أرفع رؤوس العوالي يأتين جميع الأمم، ويقولون: تعالوا نطلع إلى جبل الرب" (ميخا 4/1-2).
كما رمز النبي إشعيا لمكة في نص آخر بالعاقر، وتحدث عن الجموع الكثيرة التي تأتي إليها، ويعدها بالأمان والبركة والعز، فقال: " ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض، لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل، قال الرب: أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك، لا تمسكي، أطيلي أطنابك وشددي أوتادك، لأنك تمتدين إلى اليمين والى اليسار، ويرث نسلك أمماً، ويعمر مدناً خربة، لا تخافي لأنك لا تخزين، ولا تخجلي لأنك لا تستحين، فإنك تنسين خزي صباك، وعار ترملك لا تذكرينه بعد..قال راحمك الرب: أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية، هانذا أبني بالإثمد حجارتك، وبالياقوت الأزرق أؤسسك، وأجعل شرفك ياقوتاً، وأبوابك حجارة بهرمانية، وكل تخومك حجارة كريمة، وكل بنيك تلاميذ الرب، وسلام بنيك كثيراً، بالبر تثبتين بعيدة عن الظلم فلا تخافين، وعن الارتعاب فلا يدنو منك، ها إنهم يجتمعون اجتماعاً ليس من عندي، من اجتمع عليك فإليك يسقط، هانذا قد خلقت الحداد الذي ينفخ الفحم في النار ويخرج آلة لعمله، وأنا خلقت المهلك ليخرب كل آلة صورت ضدك لا تنجح، وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه، هذا هو ميراث عبيد الرب وبرهم من عندي" (إشعيا 54/1-17).
في النص مقارنة لمكة بأورشليم، فسمى مكة بالعاقر لأنها لم تلد قبل محمد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس، لأنه بيت الأنبياء ومعدن الوحي، وقد يشكل هنا أن نبوة إسماعيل كانت في مكة، فلا تسمى حينذاك عاقراً، لكن المراد منه مقارنة نسبية مع أنبياء أورشليم.
وقوله: "لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل"، يقصد فيه أن زوارها أو أبناءها أكثر من زوار أورشليم التي يسميها ذات البعل، ولفظة بنو المستوحشة يراد منها ذرية إسماعيل، الذي وصفته التوراة - كما سبق- بأنه وحشي " وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين ابناً وتدعين اسمه: إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك، وإنه يكون إنساناً وحشياً، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه" (التكوين 16/11 - 12).

 كما تحدثت المزامير عن مدينة المسيح المخلص، المدينة المباركة التي فيها بيت الله، والتي تتضاعف فيها الحسنات، فالعمل فيها يعدل الألوف في سواها، وقد سماها باسمها (بكة)، فجاء فيها: " طوبى للساكنين في بيتك أبداً يسبحونك، سلاه، طوبى لأناس عزهم بك، طرق بيتك في قلوبهم، عابرين في وادي البكاء (في الترجمة الإنجليزية: "through the valley of Ba'ca make it a well" فذكر أن اسمها بكة، وترجمته إلى وادي البكاء صورة من التحريف كما أسلفنا) يصيرونه ينبوعاً، أيضاً ببركات يغطون مورة، يذهبون من قوة إلى قوة، يرون قدام الله في صهيون، يا رب إله الجنود اسمع صلاتي وأصغ يا إله يعقوب، سلاه، يا مجننا انظر يا الله والتفت إلى وجه مسيحك، لأن يوماً واحداً في ديارك خير من ألف، اخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار " (المزمور 84/4-10).
وقد سماها النص العبري بكة، فقال: [???????? ????????]، وتقرأ : (بعيمق هبكا)، أي وادي بكة.
والنص كما جاء في ترجمة الكاثوليك كالتالي: "يجتازون في وادي البكاء، فيجعلونه ينابيع ماء، لأن المشترع يغمرهم ببركاته، فينطلقون من قوة إلى قوة، إلى أن يتجلى لهم إله الآلهة في صهيون" (83/7-8).
وهذا الاسم العظيم (بكة) هو اسم بلد محمد - صلى الله عليه وسلم - ، الاسم الذي سمّى القرآن الكريم به مكة البلد الحرام { إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين } (آل عمران: 96)، وبركة هذا البيت بما جعل الله لقاطنيه وقاصديه من مضاعفة الحسنات عنده، فصلاة فيه كما أخبر نبينا - صلى الله عليه وسلم - تعدل أكثر من ألف صلاة فيما سواه (1)، فصدق فيه قول المزمور: "لأن يوماً واحداً في ديارك خير من ألف".
__________
(1) وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((صلاة في مسجدي هذا [أي مسجد المدينة المنورة] خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)). رواه البخاري ح (1190)، ومسلم ح (1395).

الأربعاء، 21 ديسمبر، 2016

ذرية إسماعيل المباركة 5

ذرية إسماعيل المباركة :
ويقول محققو نسخة الرهبانية اليسوعية : "يطابق سفر الأخبار الثاني (3/1) بين موريّا وبين الرابية التي سيشاد عليها هيكل أورشليم .. غير أن النص يشير إلى أرض باسم موريّا لا يأتي ذكرها في مكان آخر، ويبقى مكان الذبيحة مجهولاً".
والحق أن المكان معروف غير مجهول، لأن قصة الذبح جرت في الأرض المرشدة، وهي أرض العبادة، وهي مكة أو بلاد فاران، واختلافهم دليل على صحة ذلك، واتفاقهم على اسم المكان بجبل الرب صحيح، لكنهم اختلفوا في تحديده لرجمهم بالظنون، وقد ربطوه بتسميات ظهرت بعد الحادثة بقرون عدة، وتجاهلوا البيت المعظم الذي بني في تلك البقعة حينذاك، ويسمى بيت الله، كما سمي الجبل الذي في تلك البقعة جبل الله.
وبقي هذا الاختلاف من أهم الاختلافات التي تفرق السامريين عن العبرانيين، وقد أدرك المسيح هذا الخلاف، فذات مرة دخلت عليه امرأة سامرية، وسألته عن المكان الحقيقي المعد للعبادة، فأفصح لها المسيح أن المكان ليس جبل جرزيم السامري، ولا جبل عيبال العبراني الذي بني عليه الهيكل، " قالت له المرأة: يا سيد أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون أن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني، إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب، أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم، لأن الخلاص هو من اليهود.
ولكن تأتي ساعة، وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق، لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له، الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يوحنا 4/19-24).
فمن هم الساجدون الحقيقيون الذين يسجدون في غير قبلة السامريين والعبرانيين، إنهم الأمة الجديدة التي تولد بعد حين، إذ لم تدع أمة قداسة قبلتها سوى أمة الإسلام التي يفد إليها ملايين المسلمين سنوياً في مكة المكرمة.

 وقوله عن ساعة قدوم الساجدين الحقيقيين " ولكن تأتي ساعة وهي الآن"، يفيد اقترابها لا حلولها، كما في متى: " أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء" (متى 26/64)، وقد مات المخاطبون وفنوا، ولم يروه آتياً على سحاب السماء.
ومثله قول المسيح: "وقال له: الحق الحق أقول لكم، من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يوحنا 1/51) ، (وانظر صموئيل (1) 15/28).
وقد قال ميخا النبي عن مكة والبيت الحرام وعن إتيان الناس للحج عند جبل عرفات: " يكون في آخر الأيام بيت الرب مبنياً على قلل الجبال، وفي أرفع رؤوس العوالي يأتين جميع الأمم، ويقولون: تعالوا نطلع إلى جبل الرب" (ميخا 4/1-2).
كما رمز النبي إشعيا لمكة في نص آخر بالعاقر، وتحدث عن الجموع الكثيرة التي تأتي إليها، ويعدها بالأمان والبركة والعز، فقال: " ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض، لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل، قال الرب: أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك، لا تمسكي، أطيلي أطنابك وشددي أوتادك، لأنك تمتدين إلى اليمين والى اليسار، ويرث نسلك أمماً، ويعمر مدناً خربة، لا تخافي لأنك لا تخزين، ولا تخجلي لأنك لا تستحين، فإنك تنسين خزي صباك، وعار ترملك لا تذكرينه بعد..

وللحديق بقية إن شاء الله وقدر.

الخميس، 15 ديسمبر، 2016

ذرية إسماعيل المباركة 4

ذرية إسماعيل المباركة :
ومما جاء في القصة التوراتية " خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب به إلى أرض المريا... فلما أتيا الموضع ... لا تمد يدك إلى الغلام، ولا تفعل به شيئاً، لأني الله علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني ... فدعا إبراهيم ذلك الموضع: "يهوه يراه" حتى إنه يقال اليوم: في جبل الرب يرى ... يقول الرب: إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة ... " (التكوين 22/1 - 18).
وفيما تقدم عدة بشارات تبشر بمجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ونرى يد التحريف والعنصرية تحاول طمس هذه البشارات.
فمن التحريف البين إدراج اسم إسحاق الذي لم يكن وحيداً لإبراهيم قط، وقد تكرر وصف الذبيح بالوحيد ثلاث مرات، وقد رأينا أن إسماعيل كان وحيداً لإبراهيم أربع عشرة سنة.
والبكورية لإسماعيل محفوظة وإن كان ابن هاجر - مولاة سارة - التي اتخذها زوجة فيما بعد، فمنزلة الأم لا تؤثر في بكورية الابن ولا منزلته، وقد جاء في التوراة: " إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة، والأخرى مكروهة، فإن كان الابن البكر للمكروهة، فيوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة بكراً على ابن المكروهة البكر. بل يعرف ابن المكروهة بكراً ليعطيه نصيب اثنين في كل ما يوجد عنده، لأنه هو أول قدرته له حق البكورية " (التثنية 21/15 - 17)، فهذا الأمر الإلهي لبني إسرائيل يعبر عن عدل الله، وهو به أولى، فهل تراه أجحف بحق إسماعيل ابن الجارية، وخالف ما سيشرعه لعباده من العدل.
ومما يبطل أن يكون الذبيح إسحاق أن إبراهيم قد وعد فيه بالبركة والذرية منه قبل ولادته، وأنه سيكون كعدد نجوم السماء. (انظر التكوين 17/21) فالأمر بذبحه لا ابتلاء فيه، لأنه يعلم أنه سيكون لهذا الابن نسل مبارك....

 وهو ما صرح به المسيح حسب إنجيل برنابا الذي نذكر الاستشهاد به استئناساً فقط، فقد قال له التلاميذ: "يا معلم هكذا كتب في كتاب موسى: إن العهد صنع بإسحاق؟ أجاب يسوع متأوهاً: هذا هو المكتوب، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله. الحق أقول لكم: إنكم إذا أكملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون خبث كتبتنا وفقهائنا .. كيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين" (برنابا 44/1 - 11)، وفي التوراة المتداولة أن بينهما أربعة عشرة سنة (انظر التكوين 16/16، 21/5).
ومن ذلك كله فالذبيح هو إسماعيل، وجبل الرب في الأرض التي عاش فيها، والبركة لإبراهيم في ذريته محفوظة له بعد أن قام بالاستسلام لأمر الله، وهمّ بذبح ابنه الوحيد.
فقد حرف أهل الكتاب اسم الذبيح، وحرفوا اسم المكان المعظم الذي جرت فيه أحداث القصة، فسمتها التوراة السامرية " الأرض المرشدة ". فيما سمته التوراة العبرانية " المريا "، ولعله تحريف لكلمة " المروة "، وهو اسم لجبل يقع داخل المسجد الحرام في مكة المكرمة ، أي في المكان الذي درج فيه إسماعيل.
وقد اتفق النصان العبري والسامري على تسمية ذلك الموضع "جبل الله "، ولم يكن هذا الاسم مستخدماً لبقعة معينة حينذاك، لذا اختلف اليهود في تحديد مكانه اختلافاً بيناً، فقال السامريون: هو جبل جرزيم. وقال العبرانيون: بل هو جبل أورشليم الذي بني عليه الهيكل بعد القصة بعدة قرون (الأيام (2) 3/1).
يقول الدكتور بوست في قاموس الكتاب المقدس: "يظن الأكثرون أن موضع الهيكل هو نفس الموضع الذي فيه أمر إبراهيم أن يستعد لتقديم إسحاق، غير أن التقليد السامري يقول: إن موضع الذبح لإسحاق كان على جبل جرزيم، وبعض العلماء يوافقونهم".

 

السبت، 10 ديسمبر، 2016

ذرية إسماعيل المباركة3

ذرية إسماعيل المباركة:
 وعليه نقول: إن العهد قد بدأ بإسحاق - عليه السلام -، وهو وعد أبدي متطاول إلى أجيال بعيدة، وهو ما تم حين بعث الله النبيين في بني إسرائيل، وأرسل إليهم الكتب، وأيدهم بسلطانه وغلبته على الأمم التي جاورتهم، وأقام لهم مملكة ظافرة إلى حين. ويتفق اليهود والنصارى مع المسلمين في أن بركة إسحاق - عليه السلام - أثمرت النبوة والملك والكتاب والكثرة والغلبة، لكنهم يعتبرون وعد إسماعيل - عليه السلام - وبركته أثمر الكثرة فقط، " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة " (التكوين 17/20).
وهذا التفريق أيضاً بخلاف ما جاء في النصوص التي لم تفرق بالألفاظ والمعاني بين الأخوين المباركين، وعليه فبركة إسماعيل هي كبركة إسحاق: نبوة وكتاب وحكم وكثرة. فمتى تحقق ذلك لإسماعيل؟ متى اجتمع له ذلك؟
نقول: لم يجتمع له ذلك إلا في بعثة نبينا - صلى الله عليه وسلم - من ذريته، فتحولت قبائل بنيه المتفرقة الضعيفة إلى ملك عظيم ساد الدنيا، واجتمع إلى كثرتهم النبوة والكتاب، فتحقق ما وعد الله إبراهيم وهاجر في ابنهما إسماعيل.
وإلا فأين تحققت البركة في إسماعيل - عليه السلام - الذي أخبر النص عن حاله، فقال: " يكون إنساناً وحشياً، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه " (التكوين 6/12) أي أنه يغلب تارة فيسود الجميع كما يسود الجميع عليه تارة أخرى.
وقد ساد العرب المسلمون الأمم برسول الله ودولته، وفيما عدا ذلك كانوا أذل الأمم وأضعفها وأبعدها عن أن يكونوا محلاً لبركة الله، إذ لا بركة في قبائل وثنية تكاثرت على عبادة الأوثان والظلم، فمثل هؤلاء لا يكونون في بركة الله.

وإذا عدنا إلى النصوص العبرية القديمة التي تحدثت عن إسماعيل نجد النص كالتالي " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً (بماد ماد) اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة (لجوى جدول)" (التكوين 12/2) فكلمتي (ماد ماد) و (لجوى جدول) هما رمزان وضعا بدل اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكلمة (ماد ماد) - حسب حساب الجمّل (1) الذي يهتم به اليهود ويرمزون به في كتبهم ونبوءاتهم تساوي 92، ومثله كلمة " لجوى جدول " وهو ما يساوي كلمة " محمد ".
وكان السمؤل أحد أحبار اليهود المهتدين إلى الإسلام قد نبه إلى ذلك، ومثله فعل الحبر المهتدي عبد السلام في رسالته " الرسالة الهادية" .
ونقول: إن ما جاء في سفر التكوين عن وجود بركة في العرب تمثلت بنبوة وملك يقيمهم الله في العرب هو النقطة الأساس التي يخالفنا فيها أهل الكتاب، وهي المدخل الأهم لنبوءات الكتاب المقدس، إذ أن كثيراً مما يذكره المسلمون من نصوص توراتية يرونها نبوءات بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، كثير من هذه النصوص يراها النصارى أيضاً نبوءات بالمسيح أو غيره من أنبياء اليهود، ويمنعون أن تخرج هذه النبوءات عن بني إسرائيل.
من هو الذبيح المبارك؟ وأين هي الأرض المباركة؟
تتحدث التوراة عن قصة أمر الله إبراهيم بذبح ابنه الوحيد ، وبدلاً من أن تسميه إسماعيل، فإنها أسمته إسحاق، وطبقاً لهذا التغيير تغير الزمان والمكان الذي جرت به القصة.

وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.
__________
(1) يجعل اليهود لكل حرف من الحروف مقابلاً من الأرقام، فالألف =1، والباء=2 .. وهكذا حسب الترتيب الأبجدي، ويعطى الحرف الحادي عشر (ك) الرقم20، و(ل) =30 .. فيما يعطى الحرف التاسع عشر (ف) الرقم 100، ثم (ص) =200... وهكذا.

الاثنين، 5 ديسمبر، 2016

ذرية إسماعيل المباركة 2

ذرية إسماعيل المباركة:
 كما قال الله له أيضاً: "فاحفظ الوصايا والفرائض والأحكام التي أنا أوصيك اليوم لتعملها، ومن أجل أنكم تسمعون هذه الأحكام وتحفظون وتعملونها، يحفظ لك الرب إلهك العهد والإحسان اللذين أقسم لآبائك، ويحبك ويباركك ويكثرك، ويبارك ثمرة بطنك وثمرة أرضك " (التثنية 7/11-13)، و(انظر: التثنية 28/1-68) وهكذا فالبركة مشروطة بطاعة الله والاستقامة على دينه، فإذا ما نكَل بنو إسرائيل عنها حاقت عليهم اللعنة والبوار.
وبالفعل بدأت بركة إبراهيم بابنه الثاني إسحاق، وذلك لا يعني حرمان إسماعيل من نصيبه من البركة "ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق، الذي تلده لك سارة في هذا الوقت، في السنة الآتية " (التكوين 17/21).
وتذكر التوراة أنه بعد فطام إسحاق، هاجرت هاجر وابنها وأنها " مضت وتاهت في برية بئر سبع، ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار .. ونادى ملاك الله هاجر.. قومي احملي الغلام، وشدي يدك به، لأني سأجعله أمة عظيمة، وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء .. وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر " (التكوين 21/17-21).

 ويتجاهل النص التوراتي خصوصية إسماعيل في نبع ماء زمزم المبارك في مكة المكرمة، ويرى قصة الهجرة في صحراء بئر سبع جنوب فلسطين، ثم يسميها برية فاران. (1)
ونعود للبركة الموعودة في ابني إبراهيم، فما هي البركة التي جعلها الله في إسحاق وإسماعيل؟ هي بلا ريب بركة النبوة والكتاب والملك بأمر الله والظهور باسمه { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين } (الجاثية: 16).
ويعتبر اليهود والنصارى من بعدهم أن الوعد في إسحاق وعد أبدي لن ينتقل إلى غيرهم، فقد قيل: "فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابناً، وتدعو اسمه إسحاق. وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً، لنسله من بعده ... ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية" (التكوين 17/19-21)، فقد فهموا من كلمة (أبدياً) أن العهد لبني إسرائيل إلى يوم القيامة، وأنه غير مشروط ولا متعلق بصلاحهم وانقيادهم لأمر الله.

 لكن كلمة الأبد لا تعني بالضرورة الاستمرار إلى قيام الساعة، بل تعني طول الفترة فحسب، ومثل هذا الاستخدام معهود في التوراة، يقول سفر الملوك: "فبرص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد" (الملوك (2) 5/27)، فالأبدية هنا غير مقصودة، وإلا لزم أن نرى ذريته اليوم أمة كبيرة تتوالد مصابة بالبرص.
وفي سفر الأيام "وقال لي: إن سليمان ابنك، هو يبني بيتي ودياري، لأني اخترته لي ابناً، وأنا أكون له أباً، وأثبت مملكته إلى الأبد" (الأيام (1) 28/6)، وقد انتهت مملكتهم منذ ما يربو على ألفين وخمسمائة سنة على يد بختنصر البابلي، فالمراد بالأبدية الوقت الطويل فحسب.
ووقتَّ سفر التثنية الأبدية بما يساوي عشرة أجيال، فقال: "لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر، لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد، من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء" (التثنية 33/3-4)، فالجيل الحادي عشر للمؤابي غير محروم من جماعة الرب، وهو دون الأبد والقيامة.
ومثله قول دانيال لنبوخذ نصر: "فتكلم دانيال مع الملك: يا أيها الملك عش إلى الأبد" (دانيال 6/21)، أي عش طويلاً.
نعم لقد استبدلت البركة باللعن والطرد، فقد رذلهم الله واستبدلهم بغيرهم بعد أن تنكروا لشرعه ودينه " والآن إليكم هذه الوصية أيها الكهنة، إن كنتم لا تسمعون ولا تجعلون في القلب لتعطوا مجداً لاسمي، قال رب الجنود: فإني أرسل عليكم اللعن، وألعن بركاتكم، بل قد لعنتها لأنكم لستم جاعلين في القلب، ها أنا ذا أنتهر لكم الزرع، وأمدّ الفرث على وجوهكم" (ملاخي 2/1-3).

 __________
(1) لكن الكتاب المقدس عودنا على الأخطاء الجغرافية وغيرها المتكررة فيه، وكثرتها دعت الدكتور صبري جوهرة أن يقول، وهو يلخص رأي الكنيسة :" إن الله يسمح للإنسان (كاتب السفر) بأن يضع كل إحساساته وخبراته وحساسياته وميوله في النصوص مادام ذلك لا يغير ما قصده الله من معاني السفر الأخلاقية والدينية، وبالتالي تعترف الكنيسة بعدم دقة الكتاب في معلوماته الفلكية والجغرافية والتاريخية والجيولوجية..الخ، فالمقصود بالكتاب هو أن يعلم الدين والأخلاق، ويساعد على الوصول إلى طريق الصلاح والسعادة ". اختلافات في تراجم الكتاب المقدس ، أحمد عبد الوهاب ، ص (61 - 62).

الجمعة، 2 ديسمبر، 2016

ذرية إسماعيل المباركة

ذرية إسماعيل المباركة :
خرج إبراهيم عليه السلام من أرض العراق واتجه إلى الأرض المباركة، أرض فلسطين، وتذكر التوراة أن عمره حينذاك الخامسة والسبعين، ولما يولد له ولد، وخرج بعد أن بشره الله بأن قال: "أجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة ... وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (التكوين 12/2 - 3).
وفي أرض فلسطين حملت هاجر - مولاة سارة - بابنها إسماعيل - عليه السلام -، وتذكر التوراة غِيرة سارة من هاجر وقد أضحى لها ذرية، فيما حرمت سارة الولد والذرية حتى ذلك الحين.
عندها أذلت سارة هاجر، فهربت هاجر من وجه مولاتها " فقال لها ملاك الرب: ارجعي إلى مولاتك واخضعي تحت يديها. وقال لها ملاك الرب: تكثيراً أكثر نسلك فلا يعد من الكثرة، وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين ابناً، وتدعين اسمه: إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك، وإنه يكون إنساناً وحشياً: يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن " (التكوين 16/11 - 12)، لقد بشرها الملاك بابن عظيم يسود على كل أحد، لكنه أحياناً يكون على خلاف ذلك، فيتسلط عليه كل أحد.
وولدت هاجر ابنها إسماعيل - عليه السلام -، فكان بكراً لإبراهيم - عليه السلام -، "وكان أبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل" (التكوين 16/16).
ولما بلغ إبراهيم التاسعة والتسعين تجددت البركة من الله لإبراهيم " قال له: أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملاً، فأجعل عهدي بيني وبينك، وأكثرك كثيراً جداً .. أجعلك أباً لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيراً جداً، وأجعلك أمماً، وملوك منك يخرجون، وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً ... " (التكوين 17/1 - 8).

وابتلى الله إبراهيم - عليه السلام -، فأمره بذبح ابنه الوحيد يومذاك، إسماعيل، فاستجاب وابنه، وامتثلا لأمر الله، وحينها "نادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء، وقال: بذاتي أقسمت، يقول الرب: إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك، أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيراً، كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه" (التكوين 22/1-17).
وطلب إبراهيم - عليه السلام - من الله الصلاح في ابنه إسماعيل: " قال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك" (التكوين 17/18).
فاستجاب الله له وبشره بالبركة فيه وفي ابن آخر يهبه الله له، فقد بشره بميلاد إسحاق من زوجه سارة فقال: " وأباركها وأعطيك أيضاً منها ابناً، أباركها فتكون أمماً، وملوك شعوب منها يكونون ... وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده.
وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة " (التكوين 17/16 - 20).
وقد كان إسحاق - عليه السلام - أصغر من إسماعيل - عليه السلام - بأربعة عشر سنة "وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه" (التكوين 21/5).
وقد ولد لإبراهيم أبناء آخرون من زوجته قطورة، لكن الله لم يعده بالبركة فيهم "عاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة، فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحا" (التكوين 25/1-2)، ولم يخرج من نسلهم أنبياء لعدم الوعد فيهم بالبركة.
وهذا الذي تذكره التوراة يتفق إلى حد كبير مع ما يقوله القرآن، فالقرآن يقرر بركة وعهداً لإبراهيم في صالحي ذريته من ابنيه المباركين إسماعيل وإسحاق، حيث يقول: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } (البقرة: 124).

وذكر الله بركة الابنين وأن من ذريتهما صالح مستحق للعهد، وظالم ليس له من العهد شيء فقال عن إسماعيل: { وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } (الصافات: 113).
وهذا يتفق مع ما جاء في التوراة التي نصت على أن العهد والاصطفاء مشروط بالعمل الصالح، والبركة التي أُعطيها إبراهيم إنما هي بسبب عمله الصالح، "تتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أن إبراهيم سمع لقولي، وحفظ ما يحفظ لي أوامري وفرائضي وشرائعي" (التكوين 26/4).
وتتوالى البركة في ذريته وفق هذا الشرط "سر أمامي وكن كاملاً فأجعل عهدي .. " (التكوين 17/1 - 2)، وكما قال عنه وعن ذريته المباركة: " إبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية، ويتبارك به جميع أمم الأرض، لأني عرفته، لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب، ليعملوا براً وعدلاً، لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به " (التكوين 18/18 - 19)، فالعمل بوصايا الله هو سبب هذه البركة، وقد قال الله لإبراهيم: "ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي" (التكوين 22/18).
ووفق هذا الشرط كانت البركة والعهد لأبناء لاوي " إني أرسلت إليكم هذه الوصية، لكون عهدي مع لاوي قال رب الجنود. كان عهدي معه للحياة والسلام، وأعطيته إياهما للتقوى، فاتقاني، ومن اسمي ارتاع هو، شريعة الحق كانت في فيه، وإثم لم يوجد في شفتيه، سلك معي في السلام والاستقامة، وأرجع كثيرين عن الإثم " (ملاخي 2/4-7).
فبركة الله إنما تكون للصالحين، ولعنته هي نصيب الكافرين، كما قال الله لموسى: " انظر. أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة، البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم، واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم، لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها" (التثنية 11/26-28).

وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الأحد، 27 نوفمبر، 2016

هل قال محمد - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه أنه النبي المنتظر؟

هل قال محمد - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه أنه النبي المنتظر؟
رأينا أن المسيح عليه السلام لم يدع أنه النبي المنتظر، فهل أخبر محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه ذلك النبي الموعود، الذي بشرت به الأنبياء؟

إن وجود البشارة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في كتب الأنبياء من أهم ما أكدت عليه النصوص القرآنية والنبوية، التي أخبرت أنه ما من نبي إلا وذكّر أمته بأمر هذا النبي، وأخذ عليهم في ذلك الميثاق لئن بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ليؤمنن به، قال تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } (آل عمران: 81) وقال علي رضي الله عنه: ( ما بعث الله نبياً آدم فمن دونه إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه). ومن هؤلاء الأنبياء المبشرين بالنبي القادم النبي إبراهيم عليه السلام، حيث دعا { ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم } (البقرة: 129).
ومنهم عيسى عليه السلام { وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } (الصف: 6).
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري: أنا دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور ساطع أضاءت منه قصور الشام )). 

ولما كان اهتمام الأنبياء بالنبي الخاتم بالغاً كان من الطبيعي أن تتحدث كتبهم عنه وعن صفاته وأحواله.
وقد أكد القرآن الكريم على وجود البشارة بنبينا في كتب اليهود والنصارى فقال: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } (الأعراف: 157).
وقال الله تعالى مخبراً وجود النبوءات عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وعن أمته وأصحابه في التوراة والإنجيل: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً } (الفتح: 29)
ولم يخبر القرآن الكريم- بالتفاصيل - عن صفات رسول الله وأحواله المذكورة في كتب أهل الكتاب، لكنه أخبر عن حقيقة مهمة، وهي أن أهل الكتاب يعرفون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معرفتهم أبناءهم، لكثرة ما حدثتهم الأنبياء والكتب عنه - صلى الله عليه وسلم - { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } (الأنعام:20)
وهذه المعرفة ولا ريب تصدر عن كثرة أو وضوح البشارات الواردة في كتبهم عنه عليه الصلاة والسلام.
وسنحاول خلال الصفحات القادمة تلمس بعض هذه النبوءات، راجين أن نوفق في إزالة الكثير مما أصابها من غبار التحريف، محترزين عن الكثير من سوء الفهم الذي وقع فيه النصارى في فهم هذه النبوءات.
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الأربعاء، 23 نوفمبر، 2016

هل ادعى المسيح عيسى - عليه السلام - أنه المسيح المنتظر؟3

هل ادعى المسيح عيسى - عليه السلام - أنه المسيح المنتظر؟
 أما المسيح عيسى عليه السلام فكان يدفع الجزية للرومان "ولما جاءوا إلى كفر ناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس وقالوا: أما يوفي معلمكم الدرهمين؟ قال: بلى، فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلاً: ماذا تظن يا سمعان، ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال له بطرس: من الأجانب، قال له يسوع: فإذاً البنون أحرار، ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر، وألق صنارة، والسمكة التي تطلع أولاً خذها، ومتى فتحت فاها تجد أستاراً، فخذه وأعطهم عني وعنك" (متى 17/24-27)، فأين حال دافع الجزية من الملك الذي تسقط تحت قدميه شعوب خاضعة ذليلة لسلطانه.
والمسيح عليه السلام رفض أن يكون قاضياً بين اثنين يختصمان، فهل تراه يدعي الملك والسلطان، "قال له واحد من الجمع: يا معلّم، قل لأخي أن يقاسمني الميراث، فقال له: يا إنسان من أقامني عليكما قاضياً أو مقسّماً!؟" (لوقا 12/13-14).
ولئن أصر النصارى على مخالفة الكتاب فقالوا: المسيح هو الملك الموعود الظافر الذي تخضع له الشعوب، وأن ذلك سيحققه حال عودته الثانية، فإن ذلك مما تدحضه النبوءة التي ذكرها الملاك لمريم، حيث أخبرها أن المسيح سيملك على بيت يعقوب فحسب، فغاية ما يمكن أن يملك عليه هو شعب إسرائيل، فقد قال لها الملاك: " ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية" (لوقا 1/33)، فيما المسيح الموعود "له يكون خضوع شعوب" (التكوين 49/10)، و " شعوب تحتك يسقطون " (المزمور 45/5)، فملكه أعظم من مملكة بني إسرائيل.

 ويجدر هنا أن ننبه إلى أن وعد الله لبني إسرائيل بالملك القادم على كرسي داود وعد مشروط بطاعتهم لله وعملهم وفق مشيئته، كما أخبرهم الله بقوله: " إن نقضتم عهدي .. فإن عهدي مع داود عبدي يُنقض ، فلا يكون له ابن مالكاً على كرسيه " ( إرميا 33/20 - 21 )، فهل تراهم نقضوا وهم يحاولون قتل المسيح أم كانوا على الوعد والعهد العظيم.
لقد نقضه القوم مراراً وتكراراً فرفضهم الله إلى الأبد "لماذا رفضتنا يا الله إلى الأبد! لماذا يدخن غضبك على غنم مرعاك! اذكر جماعتك التي اقتنيتها منذ القدم وفديتها " (المزمور 74/1-2)، لقد رفض الله هذه الأمة العاتية القاسية، وكان رفضه لها أبدياً، فلن يكون لهم الملك الموعود ، لأنهم لم يوفوا بشرط وميثاق الله العظيم.
وقد يشكل في هذا الباب ما جاء في قصة المرأة السامرية التي أتت المسيح ورأت أعاجيبه وآياته، فأخبرته بإيمانها بمجيء المسيا، فكان جوابه لها أنه هو المسيا، " قالت له المرأة: أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء، قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو" (يوحنا 4/25-26).
ولست أشك في وقوع التحريف في هذه العبارة، بدليل أن هذا النص يخالف ما عهدناه من المسيح، وبدليل أن أحداً من التلاميذ - بما فيهم يوحنا كاتب القصة - لم يكن يسمع حديثه، وهو يتحدث مع المرأة، فلا يعرفون عن موضوع الحديث بينهما " قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو، وعند ذلك جاء تلاميذه وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع امرأة. ولكن لم يقل أحد: ماذا تطلب؟ أو لماذا تتكلم معها " (يوحنا 4/26-27)، فهم لم يسمعوا حديثهما ولم يسألوه عما جرى بينهما.

 وأوضح الأدلة على وقوع التحريف في هذه القصة أن المرأة التي رأت أعاجيبه، وقال لها هذا القول المدعى، لم تكن تؤمن أنه المسيح المنتظر، لأنها لم تسمع منه ذلك، ولو سمعته لآمنت وصدقت، فقد انطلقت تبشر به، وهي غير متيقنة أنه المسيح المنتظر "فتركت المرأة جرتها، ومضت إلى المدينة وقالت للناس: هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت، ألعل هذا هو المسيح؟" (يوحنا 4/28-29).
ومما تقدم ظهر جلياً أن المسيح - عليه السلام - لم يدع أنه المسيح الذي تنتظره اليهود، وإن زعم ذلك بعض معاصريه، الذين كانوا يتوقون للمخلص العظيم الذي يسلطه الله على أعدائه.
وقد صدق شارل جنيبر حين قال: "والنتيجة الأكيدة لدراسات الباحثين، هي : أن المسيح لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه إنه ابن الله... فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين الذين تأثروا بالثقافة اليونانية".(1)

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

الجمعة، 18 نوفمبر، 2016

هل ادعى المسيح عيسى - عليه السلام - أنه المسيح المنتظر؟2

هل ادعى المسيح عيسى - عليه السلام - أنه المسيح المنتظر؟
 وقد أكد المسيح صدق العلامة التي ذكروها للمسيح الغائب، فقال في نفس السياق: "فنادى يسوع وهو يعلّم في الهيكل قائلاً: تعرفونني، وتعرفون من أين أنا، ومن نفسي لم آت، بل الذي أرسلني هو حق، الذي أنتم لستم تعرفونه، أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني ... فآمن به كثيرون من الجمع وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا!" (يوحنا 7/25-31)، فذكر المسيح أنه رسول من عند الله، وأنه ليس الذي ينتظرونه، فذاك لا يعرفونه.
وقد آمن به الذين كلمهم، وفهموا أنه ليس المسيح المنتظر، فتأمل قول يوحنا: " فآمن به كثيرون من الجمع وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا؟" (يوحنا 7/30-31).
وعيسى عليه السلام هو ابن داود كما في نسبه الذي ذكره متى ولوقا، وقد دعي مراراً " يا يسوع ابن داود" (مرقس 10/47)، (وانظر متى 1/1، 20/31، ولوقا 18/28، وغيرها).
أما المسيح المنتظر، الملك القادم فليس من ذرية داود، كما شهد المسيح بذلك "فيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح، ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود، قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة" (متى 22/41-46).فالمسيح - عليه السلام - يشهد بصراحة أنه ليس المسيح المنتظر.

 والمسيح - عليه السلام - لا يمكن أن يحقق النبوءات المبشرة بالملك العظيم القادم ، ولا يمكن أن يصبح ملكاً على كرسي داود وغيره، لأنه من ذرية الملك الفاسق يهوياقيم بن يوشيا، أحد أجداد المسيح كما في سفر الأيام الأول " بنو يوشيا: البكر يوحانان، الثاني يهوياقيم، الثالث صدقيا، الرابع شلّوم. وابنا يهوياقيم: يكنيا ابنه، وصدقيا ابنه" (الأيام (1) 3/14-15)، فيهوياقيم جد للمسيح (حسب روايات الكتاب المقدس)، واسم يهوياقيم أسقطه متى من نسبه المزعوم للمسيح، بين يوشيا وحفيده يكنيا.
وقد حرم الله الملك على ذريته كما ذكرت التوراة " قال الرب عن يهوياقيم ملك يهوذا: لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً ... " (إرميا 36/30)، فكيف يقول النصارى - الذين يزعمون أن المسيح من ذرية يكينيا ابن الفاسق يهوياقيم - بأن الذي سيملك ويحقق النبوءات هو المسيح؟!
ثم إن التأمل في سيرة المسيح - عليه السلام - وأقواله وأحواله يمنع أن يكون هو الملك القادم، الملك المنتظر، فالمسيح لم يملك على بني إسرائيل يوماً واحداً، وما حملت رسالته أي خلاص دنيوي لبني إسرائيل، كذاك النبي الذي ينتظرونه، بل كثيراً ما هرب المسيح خوفاً من بطش اليهود، فأين هو من الملك الظافر الذي يوطِئه الله هامات أعدائه، وتدين الأرض له ولأمته.
فالنبي الآتي يسحق ملوك وشعوب زمانه كما أخبر يعقوب "يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب" (التكوين 49/10)، وقال عنه داود: "تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار، جلالك وبهاءك، وبجلالك اقتحم. اركب من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف، نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك " (المزمور 45/1 - 6).

 وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الأحد، 13 نوفمبر، 2016

هل ادعى المسيح عيسى - عليه السلام - أنه المسيح المنتظر؟1

هل ادعى المسيح عيسى - عليه السلام - أنه المسيح المنتظر؟
وإذا كان هؤلاء جميعاً ادعوا أن عيسى عليه السلام هو المنتظر، كما قالوا من قبل عن يوحنا المعمدان، فهل ادعى عيسى أو قال لتلاميذه أنه المنتظر، وهل حقق عليه السلام نبوءات المسيح المنتظر؟

ذات يوم سأل تلاميذه عما يقوله الناس عنه، ثم سألهم " فقال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب بطرس وقال له: أنت المسيح، فانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه، وابتدأ يعلّمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل" (مرقس 8/29-31)، لقد نهرهم ونهاهم أن يقولوا ذلك عنه، وأخبرهم بأنه سيتعرض للمؤامرة والقتل، وهي بلا ريب عكس ما يتوقع من المسيح الظافر. أي أنه أفهمهم أنه ليس هو المسيح المنتصر الذي تنتظرون، والذي يوقنون أن من صفاته الغلبة والظفر والديمومة، لا الألم والموت، لذا "أجابه الجمع: نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد، فكيف تقول أنت: إنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان، من هو هذا ابن الإنسان" (يوحنا 12/34).
وفي رواية لوقا تأكيد ذلك "فأجاب بطرس وقال: مسيح الله، فانتهرهم، وأوصى أن لا يقولوا ذلك لأحد، قائلاً: إنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألم" (لوقا 9/20-21)، وانتهاره التلاميذ ونهيهم عن إطلاق اللقب عليه ليس خوفاً من اليهود، فقد أخبر تلاميذه عن تحقق وقوع المؤامرة والألم، وعليه فلا فائدة من إنكار حقيقته لو كان هو المسيح المنتظر، لكنه منعهم لأن ما يقولونه ليس هو الحقيقة.
وهو عليه السلام حرص على نفي هذه الفكرة مرة بعد مرة "فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم، وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف أيضاً إلى الجبل وحده" (يوحنا 6/14-15). لماذا هرب؟ لأنه ليس الملك المنتظر، وهم مصرون على تمليكه لما يرونه من معجزاته عليه السلام، ولما يجدونه من شوق وأمل بالخلاص من ظلم الرومان.
وذات مرة قال فيلبس لصديقه نثنائيل: "وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة".

فجاء نثنائيل إلى المسيح عليه السلام وسأله " وقال له: يا معلّم أنت ابن الله؟ أنت ملك إسرائيل؟ أجاب يسوع وقال له: هل آمنت لأني قلت لك: إني رأيتك تحت التينة، سوف ترى أعظم من هذا" (يوحنا 1/45-50)، فقد أجابه بسؤال، وأعلمه أنه سيرى المزيد من المعجزات، ولم يصرح له أنه الملك المنتظر.
وفي بلاط بيلاطس نفى أن يكون الملك المنتظر لليهود، كما زعموا وأشاعوا "أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا 18/36)، فمملكته روحانية، في الجنة، وليست مملكة اليهود المنتظرة، المملكة الزمانية المادية، التي يخشاها الرومان.
لذلك ثبتت براءته من هذه التهمة في بلاط بيلاطس الذي سأله قائلاً ": أنت ملك اليهود؟ فأجابه وقال: أنت تقول، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: إني لا أجد علّة في هذا الإنسان" (لوقا 23/2-4)، فجوابه لا يمكن اعتباره بحال من الأحوال إقراراً، فهو يقول له: أنت الذي تقول ذلك، ولست أنا.
وثمة آخرون أدركوا أنه ليس المسيح المنتظر مستدلين بمعرفتهم بأصل المسيح عيسى ونسبه وقومه، بينما المنتظر القادم غريب لا يعرفه اليهود "قال قوم من أهل أورشليم: أليس هذا هو الذي يطلبون أن يقتلوه، وها هو يتكلم جهاراً، ولا يقولون له شيئاً، ألعل الرؤساء عرفوا يقيناً أن هذا هو المسيح حقاً؟ ولكن هذا نعلم من أين هو، وأما المسيح فمتى جاء لا يعرف أحد من أين هو" (يوحنا 7/25-27)، ذلك أن المسيح غريب عن بني إسرائيل.

وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الأربعاء، 9 نوفمبر، 2016

عدم فهم التلاميذ لنبوءات المسيح2

عدم فهم التلاميذ لنبوءات المسيح :
فالنص لا علاقة له بالمسيح - عليه السلام -، فعبادة الأصنام التي يتحدث عنها النص حصلت قبل المسيح، ولا تنطبق على معاصري المسيح، لأن اليهود تابوا عن عبادة الأوثان قبل ميلاد المسيح بقرون، بعدما أطلقوا من أسر بابل، ثم لم يعودوا إليها بعد تلك التوبة كما هو معلوم في كتب التاريخ.
واستخدام هذه الصيغة (ابني) في شعب بني إسرائيل معهود في التوارة، فقد جاء فيها: "عندما تذهب لترجع إلى مصر ... فتقول لفرعون: هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر، قلت لك: أطلق ابني ليعبدني " (الخروج 4/21 - 23).
لقد عانى المسيح - عليه السلام - طويلاً من سوء فهم التلاميذ لكلامه، وإبان حياته صحح لهم مراراً الكثير من أخطائهم في فهم النبوءات، بل وسائر الكلام. لقد عجزوا عن فهم البسيط من كلامه، فأنى لهم أن يفهموا النبوءات؟
فذات مرة " أوصاهم قائلاً: انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس، ففكروا قائلين بعضهم لبعض: ليس عندنا خبز. فعلم يسوع، وقال لهم: لماذا تفكرون أن ليس عندكم خبز؟ ألا تشعرون بعد ولا تفهمون؟ أحتى الآن قلوبكم غليظة؟ ألكم أعين ولا تبصرون؟ ولكم آذان ولا تسمعون ولا تذكرون؟" (مرقس 8/15-18)، كيف لا تفهمون أني ما عنيت الخبز الحقيقي بكلامي؟
وفي مرة أخرى كلمهم، فلم يفهموه " فقال كثيرون من تلاميذه إذ سمعوا: إن هذا الكلام صعب، من يقدر أن يسمعه؟" (يوحنا 6/60).
لقد كانوا يسيئون فهم البسيط من كلامه ، ثم يستنكفون عن سؤاله عما أعجم عليهم، من ذلك ما زعمه مرقس حين قال: "كان يعلّم تلاميذه ويقول لهم: إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس، فيقتلونه، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث، وأما هم فلم يفهموا القول، وخافوا أن يسألوه" (مرقس 9/31-32).

 ويمتد سوء الفهم وغلظة الذهن في فهم كلام الناموس حتى إلى أولئك المتعلمين والصفوة من بني إسرائيل، فها هو نيقوديموس يسيء فهم كلام المسيح - عليه السلام - حين قال له: " الحق الحق أقول لك، إن كان أحد لا يولد من فوق، لا يقدر أن يرى ملكوت الله. قال له نيقوديموس: كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانية ويولد؟.. أجاب يسوع وقال له: أنت معلّم إسرائيل ولست تعلم هذا!" (يوحنا 3/3-10)، لم يفهم معنى الولادة الروحية الجديدة وظن أن الولادة من فوق تقتضي أن يدخل الرجل مرة أخرى في بطن أمه!
فلئن كان هذا حال معلم إسرائيل فماذا عساه يكون حال متى العشار أو يوحنا صياد السمك وبطرس، وهما تلميذان عاميان عديما العلم، كما شهد بذلك سفر أعمال الرسل " فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا " ( أعمال 4/13 )، فإن تلاميذ المسيح جهال العالم كما أخبر بولس عن المسيح "يختار جهال العالم ليخزي الحكماء" (كورنثوس (1) 1/27).
وكثير من كلام المسيح - عليه السلام - وأفعاله لم يفهم التلاميذ - إبان حياة المسيح - صلته بالنبوءات التوراتية، ثم ظنوا بعد رفعه أنه كان نبوءات عن المسيح "ووجد يسوع جحشاً، فجلس عليه كما هو مكتوب: لا تخافي يا ابنة صهيون، هوذا ملكك يأتي جالساً على جحش أتان، وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً، ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه، وأنهم صنعوا هذه له" (يوحنا 12/14-16).
فقد غلب على كثير من بني إسرائيل لفرط شوقهم إلى المخلص الغالب المظفر، غلب على ظنهم أنه المسيح عيسى عليه السلام، "فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا: هذا بالحقيقة هو النبي، آخرون قالوا: هذا هو المسيح، وآخرون قالوا: ألعل المسيح من الجليل يأتي؟ ألم يقل الكتاب: إنه من نسل داود ومن بيت لحم القرية التي كان داود فيها يأتي المسيح؟" (يوحنا 7/38-41).

 وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي، الذي يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل، لذلك يسلّمهم إلي حينما تكون قد ولدت والدة، ثم ترجع بقية إخوته إلى بني إسرائيل، ويقف ويرعى بقدرة الرب بعظمة اسم الرب إلهه ويثبتون، لأنه الآن يتعظم إلى أقاصي الأرض، ويكون هذا سلاماً، إذا دخل أشور في أرضنا، وإذا داس في قصورنا نقيم عليه سبعة رعاة وثمانية من أمراء الناس، فيرعون أرض أشور بالسيف وأرض نمرود في أبوابها، فينقذ من أشور إذا دخل أرضنا وإذا داس تخومنا" (ميخا 5/2-6).
ومن المعلوم أن المسيح - عليه السلام - لم يحقق هذه النبوءة التي كانوا يريدون، فقد كانوا يبحثون عمن يملك عليهم وينتقم ويخلص شعبه من الأشوريين، ويحل السلام في ربوع اليهود.
يقول بري عن المسيح عليه السلام- فيما نقله عنه أحمد شلبي -: واستطاع بفصاحته أن يجذب له كثيراً من أتباعه (الذين هم في الأصل يهوداً ينتظرون المسيح)، وهم منحوه هذا اللقب.
لقد منحوه من عندياتهم ما لم يقله، كما سيمر معنا في حينه.

وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الأربعاء، 7 سبتمبر، 2016

عدم فهم التلاميذ لنبوءات المسيح1

عدم فهم التلاميذ لنبوءات المسيح
شغف كتاب الأناجيل بالنبوءات التوراتية، وعمدوا في تكلف ظاهر إلى تحريف معاني الكثير من النصوص التوراتية، ليجعلوا منها نبوءات عن المسيح، إن محبتهم للمسيح أو امتهانهم للتحريف قد جعلهم يخطئون في فهم كثير من النبوءات التي تحدثت عن المسيّا المنتظر.
ومن صور ذلك أنه جاء في المزامير عن النبي القادم "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك" (المزمور 110/1)، وهذه النبوءة بالمسيح المنتظر لا يراد منها المسيح ابن مريم بحال من الأحوال.
وقد أخطأ بطرس - أو من نسبه إلى بطرس - حين فسرها بذلك، فقال: " لأن داود لم يصعد إلى السموات، وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً " (أعمال 2/29-37).
ودليل الخطأ في فهم بطرس، وكذا فهم النصارى من بعده أن المسيح - عليه السلام - أنكر أن يكون هو المسيح الموعود على لسان داود، "فيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح، ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود، قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة" (متى 22/41-46) لقد كان جواب المسيح مسكتاً، إن القادم ليس من ذرية داود بدليل أن داود جعله سيده، والأب لا يقول ذلك عن ابنه.
فالمسيح - عليه السلام - سأل اليهود عن المسيح المنتظر الذي بشر به داود وغيره من الأنبياء: "ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟" فأجابوه: "ابن داود"، فخطأهم وقال: " فإن كان داود يدعوه رباً، فكيف يكون ابنه! "، فالمسيح القادم ليس من أبناء داود الذي وصفه بقوله: ربي أو سيدي.
ومن المعلوم أن المسيح - حسب متى ولوقا هو من ذرية النبي داود -، وكثيراً ما نودي "يا ابن داود" (انظر متى1/1، 9/27، ولوقا 19/38)
وفي مرقس أن المسيح - عليه السلام - قال: " كيف يقول الكتبة: إن المسيح ابن داود؟ لأن داود نفسه قال بالروح القدس: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فداود نفسه يدعوه رباً، فمن أين هو ابنه؟! " (مرقس 12/37).
وهو ما ذكره لوقا أيضاً " وقال لهم: كيف يقولون: إن المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير: قال الرب لربي: اجلس عن يميني، حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فإذا داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه" (لوقا 20/40-44)، ورغم هذا البيان يصر النصارى إلى يومنا هذا أن المسيح عيسى عليه السلام هو من بشر به داود في نبوءته مع قولهم بأنه ابن داود!
ونقل بولس (أو بالأحرى الكاتب المجهول للرسالة) في الرسالة إلى العبرانيين بشارة الله لداود بابنه سليمان، وجعلها نبوءة بالمسيح عليه السلام، فيقول: "كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شيء .. صائراً أعظم من الملائكة، بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم، لأنه لمن مِن الملائكة قال قط: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، وأيضاً أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً" (عبرانيين 1/5).
وقد اقتبس الكاتب العبارة الواردة في سفر صموئيل الثاني (7/14)، وجعلها نبوءة عن المسيح، ففيه: "أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً " فقد ظن كاتب أن هذه العبارة نبوءة عن المسيح عليه السلام، فنقلها في رسالته.
إلا أن هذا الاقتباس غير صحيح، فالنص جاء في سياق الحديث إلى داود، فقد أمر الله النبي ناثان أن يقول لداود: "فهكذا تقول لعبدي داود ... متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم نسلك الذي يخرج من أحشائك، وأثبت مملكته، هو يبني بيتاً لاسمي، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد، أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً، وإن تعوج أودبه بقضيب الناس وبضربات بني آدم ... كذلك كلم ناثان داود" (صموئيل (2) 7/8-17).
فالمتنبئ عنه يخرج من أحشاء داود، وليس من أحفاده، وهو يملك على بني إسرائيل بعد اضطجاع داود مع آبائه أي موته، وهو باني بيت الله، وهو متوعد بالعذاب إن مال عن دين الله، وكل هذا قد تحقق في سليمان كما تذكر التوراة.
إن أياً من تلك المواعيد لم يتحقق في المسيح عليه السلام، فهو عندهم إله لا يصح أن يتوعد بالعذاب من الله، لأنه لا يخطئ أصلاً، كما أنه لم يبن لله بيتاً، ولم يملك على بني إسرائيل يوماً واحداً، ولم يثبت كرسي مملكته، لأنه لا مملكة له أصلاً في هذا العالم، كما أخبر هو، فقال: "أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا 18/36).
كما وقد جاء في سفر أخبار الأيام الأول أن اسم صاحب النبوءة يكون سليمان، فقد قال لداود: "هوذا يولد لك ابن، يكون صاحب راحة، وأريحه من جميع أعدائه حواليه، لأن اسمه يكون سليمان، فأجعل سلاماً وسكينة في إسرائيل في أيامه، هو يبني بيتاً لاسمي، وهو يكون لي ابناً، وأنا له أباً، وأثبت كرسي ملكه على إسرائيل إلى الأبد" (الأيام (1) 22/9).
ومن تحريف الإنجيليين لنبوءات التوراة أو خطئهم في فهمها ما صنعه متى في قوله عن المسيح وعودته من مصر إبان طفولته: " كان هناك إلى وفاة هيرودس، لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: من مصر دعوتُ ابني " (متى 2/14-15)، فقد زعم أن ذلك يحقق النبوءة التوراتية التي في سفر هوشع (11/1-2).
لكن النص الذي في هوشع لا علاقة له بالمسيح، فالنص يتحدث عن عودة شعب إسرائيل من مصر مع موسى، والحديث في أصل السياق عن يعقوب، ثم ينتقل للحديث عن أبنائه وعودتهم من مصر ثم عبادتهم للأوثان بعد ذلك وإعراضهم عن دعوات الله لهم، فيقول: " لما كان إسرائيل غلاماً أحببته، ومن مصر دعوت ابني، كلما دعوا ولوا وجوههم، وذبحوا لبعاليم، وقربوا للأصنام" (هوشع 11/1-2).
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الجمعة، 2 سبتمبر، 2016

الملك المنتظر

الملك المنتظر
في عام 63 ق. م وقعت القدس وفلسطين بيد الرومان الوثنيين، ليبدأ - من جديد - اضطهاد آخر عانى منه بنو إسرائيل، بنو إسرائيل الذين كانوا يترقبون مخلصاً عظيماً يرد إليهم الملك الضائع والسؤدد الذي طال لهفهم وشوقهم إليه.
لقد كانوا ينتظرون تحقق بشارة يعقوب وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء بالقادم المنتظر، فهم لا يمارون ولا يشكون في مقدم النبي الملك الظافر الذي يقود أتباعه إلى عز الدنيا وسعادة الآخرة، لذا لما بُعث المسيح العظيم، ورأوا ما أعطاه الله من المعجزات تعلق الكثيرون منهم بشخص المسيح، راجين أن يكون هو النبي المظفر العظيم، النبي المخلص، وهذا أمر يراه بجلاء الذي يتتبع أقوال معاصري المسيح من اليهود.
وتنقل لنا الأسفار المقدسة قصص بعض أولئك الذين كانوا يترقبون الملك المظفر المنتظر، من هؤلاء سمعان، الذي وصفه لوقا: "كان الرجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه" (لوقا 2/25)، فسمعان هذا أحد منتظري الخلاص.
ومنهم نثنائيل الذي صارح المسيح بشعوره وظنه " أجاب نثنائيل وقال له: يا معلّم أنت ابن الله؟ أنت ملك إسرائيل؟ أجاب يسوع وقال له: هل آمنت لأني قلت لك.. " (يوحنا 1/49-50).
ولما أشيع أن المسيح صلب حزن بعضهم لتخلف الخلاص المنشود في شخص المسيح، إذ تعرض المسيح بعد القيامة لتلميذين وهو متنكر "فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين، فأجاب أحدهما - الذي اسمه كليوباس - وقال له: هل أنت متغرب وحدك في أورشليم ولم تعلم الأمور التي حدثت فيها في هذه الأيام، فقال لهما: وما هي؟ فقالا: المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب، كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت، وصلبوه، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك" (لوقا 24/17-21). لقد كانوا ينتظرون الخلاص على يديه كما كانت قد وعدت النصوص التوراتية بمقدم الملك الظافر الذي يخلص شعبه ويقودهم للنصر على الأمم، إذا بهم يسمعون بقتله وصلبه.
وقال له التلاميذ بعد القيامة: " يا رب هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل؟ فقال لهم: ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أعمال 1/6-7). أي أن هذا ليس هو وقت الملك المنتظر.
يقول عوض سمعان: " إن المتفحصين لعلاقة الرسل والحواريين بالمسيح يجد أنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه إنسان … كانوا ينتظرون المسيّا، لكن المسيّا بالنسبة إلى أفكارهم التي توارثوها عن أجدادهم لم يكن سوى رسول ممتاز يأتي من عند الله ".(1)
وقد سبق أن ظن شعب إسرائيل - المتلهف لظهور النبي العظيم المظفر - أن يوحنا المعمدان هو المسيح المنتظر "إذ كان الشعب ينتظر، والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا، لعله المسيح" (لوقا 3/15).
وهذه الجموع المتربصة للخلاص لما رأت المسيح قالوا فيه ما قالوه من قبل عن يوحنا المعمدان "قالوا للمرأة: إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن، لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم" (يوحنا 4/42).
وأندرواس قال لأخيه سمعان مبشراً: " قد وجدنا مسِيّا، الذي تفسيره المسيح" (يوحنا 1/41).
والمراة السامرية لما رأته أعاجيبه " قالت له المرأة: أنا أعلم أن مسيّا - الذي يقال له المسيح - يأتي، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء" (يوحنا 4/25-30).
وشاع هذا الخبر في بني إسرائيل حتى خشي رؤساء الكهنة من بطش الرومان إن عرفوا أن المسيح المنتظر العظيم المظفر قد ظهر في شخص عيسى، فسارعوا إلى الإيقاع به، متهمين إياه بإفساد الأمة وادعاء أنه المخلص المنتظر، " فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعاً، وقالوا: ماذا نصنع، فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به، فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمّتنا؟
فقال لهم واحد منهم، وهو قيافا، كان رئيساً للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تفكرون، إنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمة كلها " (يوحنا 11/47-50). فقالوا لبيلاطس: " إننا وجدنا هذا يفسد الأمة، ويمنع أن تعطى جزية لقيصر قائلاً: إنه هو مسيح ملك، فسأله بيلاطس قائلاً: أنت ملك اليهود؟ فأجابه وقال: أنت تقول، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: إني لا أجد علّة في هذا الإنسان" (لوقا 23/2-4)، فقد ثبت لبيلاطس براءته مما اتهموه، إذ هو لم يدع أنه ملك اليهود المنتظر.
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الأربعاء، 24 أغسطس، 2016

مدخل إلى نبوءات الكتاب المقدس2

مدخل إلى نبوءات الكتاب المقدس
وفي هذا الصدد نقل العلامة رحمة الله الهندي أيضاً عن حيدر القرشي صاحب كتاب " خلاصة سيف المسلمين " قوله: " إن القسيس أوسكان الأرمني ترجم كتاب إشعياء باللسان الأرمني في سنة ألف وستمائة وست وستين، وطبعت هذه الترجمة في سنة ألف وسبعمائة وثلاث وثلاثين في مطبعة أنتوني بورتولي، ويوجد في هذه الترجمة في الباب الثاني والأربعين هذه الفقرة: " سبحوا الله تسبيحاً جديداً، وأثر سلطنته على ظهره، واسمه أحمد " (إشعيا 42/10 - 11). 
ثانيهما: الكتاب المقدس كثير الاستعارات، تكثر فيه الرموز والإشارات خاصة فيما يتعلق بالمستقبل، يقول صاحب كتاب " مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين ": " وأما اصطلاح الكتاب المقدس فإنه ذو استعارات وافرة غامضة وخاصة العهد العتيق ".
ويقول أيضاً: " واصطلاح العهد الجديد أيضاً هو استعاري جداً، وخاصة مسامرات مخلصنا، وقد اشتهرت آراء كثيرة فاسدة لكون بعض معلمي النصارى شرحوها شرحاً حرفياً... ".

لذا ينبغي أن يدرك القارئ المشاق التي سنعانيها ونحن نبحث عن الكلمة الأصلية أو الاسم الذي أضاعه المترجمون، كما سيدرك القارئ - بثاقب فكره - طبيعة الكتاب المقدس في التعبير عن الحقائق عن طريق الاستعارة والإلغاز.
هذه الصعوبة لن يشعر بها أولئك الذين يتفاخرون بأن كتابهم قد حوى الكثير من النبوءات التي تحققت فيما بعد كقيام الاتحاد السوفيتي وإسرائيل وحتى شخص كسينجر، وذلك كله عن طريق الإلغاز أو بحساب الجمّل أو سوى ذلك، ويقولون أيضاً بورود مئات النبوءات التي تشير إلى السيد المسيح، فإن النصارى يرون أن في العهد القديم ألف نبوءة عن المسيح.
وهنا نتساءل هل من المعقول أن يخلو الكتاب المقدس من نبوءة عن ذلك الرجل الذي غيّر مسار التاريخ باسم الله، أما كان ينبغي أن يكون له في هذه النبوءات نصيب، ولو نبوءة واحدة تحذر من حاله ودعوته أو تبشر بها؟!
والإجابة عن هذا السؤال صمت مطبق من أولئك الذين يدعون أنهم الوحيدون المؤهلون لحل ألغاز ورموز هذا الكتاب واستخراج نبوءاته وفهم مراميه.
لكن ظهور كلمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودينه، يعتبر المفتاح الذي نلج به إلى نبوءات العهد القديم والجديد، ففي طيات أسفار التوارة نبوءة وميزان يكشف الدعي الكاذب، ويجليه بوصفه وحاله، يقول سفر التثنية " وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه ... فيموت ذلك النبي ... فلا تخف منه" (التثنية 18/20 - 22).
وقد قال غملائيل الفريسي كلمة حق: "والآن أقول لكم: تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم، لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض، وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه، لئلا توجدوا محاربين لله أيضاً " (أعمال 5/38-39)، ودعوة نبينا لم تنتقض، بل ملأت الخافقين، وسادت الدنيا قروناً طوالاً.
فسلامته - صلى الله عليه وسلم - من القتل، وانتصاره على عدوه، وانتشار دعوته ودينه، دليل وبرهان على صدقه ورسالته " لأن الرب يعرف طريق الصديقين، وطريق المنافقين تهلك " (المزمور 1/6).
وكذا قال: " وتهلك كل الذين يتكلمون بالكذب، الرجل السافك الدماء والغاش يرذله الرب" (المزمور 5/6).
ويقول: " الرب يعضد الصديقين ... أما الخطاة فيهلكون، وأعداء الرب جميعاً.. وكالدخان يفنون " (المزمور 3/17 - 20).
لقد دلت هذه النصوص على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نبوته ورسالته، لسلامته من الأذى وتمام أمره ودينه وانتشار دعوته في العالمين.
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الأربعاء، 10 أغسطس، 2016

مدخل إلى نبوءات الكتاب المقدس1

مدخل إلى نبوءات الكتاب المقدس :
تطلق الأسفار المقدسة على النبي القادم أسماء شتى ، فتسميه تارة الملك، وأخرى النبي، وتارة تلقبه بالمسِيّا وأخرى بالمسيح، بمعنى المخلص، فكل هذه الأسماء مترادفات تدل على النبي القادم، وهي في ذات الوقت أوصاف لهذا النبي العظيم.
لكن يبقى تسميته بالمسيح أشهرها لما لهذا اللقب من أهمية عند بني إسرائيل.
وقد يتمسك بعضهم بأحقية عيسى عليه السلام بهذا الاسم من غيره، حيث لقب به عليه الصلاة والسلام، فنقول: إن تسمية عيسى عليه السلام بالمسيح تسمية اصطلاحية ليست خاصة به، حيث كان اليهود يسمون أنبياءهم وملوكهم، بل وملوك غيرهم بهذا الاسم، لعادتهم في مسح ملوكهم وأنبيائهم بالزيت، ثم اعتادوا تسميتهم بالمسيح، ولو لم يمسحوا.
وقد سمي كورش ملك فارس مسيحاً " يقول الرب لمسيحه لكورش " (إشعيا 1/45).
وكذا داود كانا مسيحاً "والصانع رحمة لمسيحه لداود" (المزمور 18/50).
وشاول الملك سمي مسيحاً، إذ لما أراد أبيشاي قتل شاول وهو نائم نهاه داود " فقال داود لأبيشاي: لا تهلكه فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرّأ" (صموئيل (1) 26/7-9).
وكذلك جاء في سفر المزامير "لا تمسوا مسحائي، ولا تسيئوا إلى أنبيائي" (المزمور 105/15). وانظر حديث سفر الملوك عن الكهنة المسحاء. (انظر الملوك (2) 1/10).
فهذا اللقب الشريف ليس خاصاً بالمسيح عيسى ابن مريم عليه صلوات الله وسلامه، بل هو لقب يستحقه النبي القادم لما يؤتيه الله من الملك والظفر والبركة التي فاقت بركة الممسوحين بالزيت من ملوك بني إسرائيل.
والمسيح لقب للنبي القادم الذي كانت تنتظره بنو إسرائيل، لذا تساءل اليهود لما رأوا يوحنا المعمدان إن كان هو المسيح القادم " فاعترف ولم ينكر، وأقر: إني لست المسيح. فسألوه إذاً ماذا؟ إيّليا أنت؟ " (يوحنا 1/21 - 22).
كما استخدم هذا الاسم جموعُ اليهود حين رأوا معجزات عيسى عليه السلام، فقالوا: " ألعل المسيح (أي القادم) متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا! " (يوحنا 7/30 - 31).
كما يطلق على النبي القادم المسِيّا، وهو لقب مرادف للفظة المسيح، فقد جاء في بيان ذلك في إنجيل يوحنا " مسِيّا الذي تفسيره: المسيح " (يوحنا 1/41)، فالكلمة السريانية: "ماشيح "، تنطق في اللغات التي ليس فيها حرف الحاء يسمى: "المسيّا" .
ولعل البعض يهتف مطالباً بالكشف عن النص الصريح الذي يبشر بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ويبين بجلاء اسمه وصفته التي لا ينازعه فيها أحد، وحُق له ذلك.
لكن يحول دون تحقيقه أمران متعلقان بالكتاب المقدس وتراجمه، وهما لا يعزبان عن فهم المتضلعين في كتب القوم المقدسة، الذين يدركون السبب الذي أضاع أو أغمض كثيراً من البشارات الكتابية.
أولهما: أن لأهل الكتاب عادة في ترجمة الأسماء إلى معانيها، فيوردون في الترجمة المعنى دون الاسم، وقد يزيدون تفسيراً للعبارة، ويقحمونه في النص.
ولكم ضاع بسبب هذا الصنيع من دلالات واضحات، منها نبوءة المسيح عن البارقليط، والذي تسميه التراجم الحديثة: المعزي، ومنها بشارة النبي حجي بمقدم (محماد) التي ترجمها المترجمون بمشتهى، فضاعت الكثير من دلالات قول النبي حجي: "ويأتي مشتهى كل الأمم" (حجي 2/7).
ونحوه ما جاء في المزامير (84/6) عندما ذكرت المزامير اسم مدينة المسيح القادم، أسمتها: وادي بكة [???????? ????????]، وتقرأ : (بعيمق هبكا)، فترجمها المترجمون إلى العربية إلى وادي البكاء ، وترجمتها نسخة الرهبانية اليسوعية إلى "وادي البَلَسان"؛ لتضيع دلالتها على كل عربي يعرف أن بكة هي بلد محمد - صلى الله عليه وسلم - { إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدًى للعالمين } (آل عمران: 96).
وضرب رحمة الله الهندي في كتابه الماتع "إظهار الحق" لهذا الصنيع من المترجمين ثلاثة عشر مثالاً قارن فيها بين طبعات مختلفة للكتاب المقدس، ليقف منها على أثر هذا الصنيع في ضياع دلالات النصوص، منها:
أنه جاء في الطبعة العربية (1811م) " سمى إبراهيم اسم الموضع: مكان يرحم الله زائره " (انظر التكوين 22/14) فاسم المكان العبراني أبدله المترجم بمعناه، وفي طبعة (1844م) العربية قال: " دعا اسم ذلك الموضع:" الرب يرى"، وبذلك ضاع الاسم الصحيح، واختلفت المعاني، ومثله كثير.. ثم يقول رحمة الله الهندي: " فهؤلاء المترجمون لو بدلوا في البشارات المحمدية لفظ رسول الله بلفظ آخر، فلا استبعاد منهم ".
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

الخميس، 21 يوليو، 2016

خطيئة آدم والذنب الموروث3

خطيئة آدم والذنب الموروث
كما تحدث النص التوراتي عن عقوبات ثلاث طالت آدم وحواء والحية.

أما الحية فكانت عقوبتها أنها " ملعونة أنت من جميع البهائم، ومن جميع وحوش 

البرية على بطنك تسعين، وتراباً تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينك وبين 

المرأة، وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه ".

وأما عقوبة حواء " تكثيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك ".

وأما عقوبة آدم " ملعونة الأرض بسببك، وبالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكاً 

وحسكاً تنبت لك، وتأكل عشب الحقل، بعرق وجهك تأكل خبزاً ".

ولنا أن نتساءل: هل كانت الحية قبلُ مستوية القامة حسناء لا تأكل التراب، بل تبلع 

الحيوان، وهل تأكل الحيات اليوم التراب أم أن هذه العقوبة رفعت عنها بعد صلب المسيح؟!

وأما المرأة فعوقبت بأمرين: أحدهما: جسماني، وهو أتعاب الحمل والولادة، وثانيهما: معنوي نفسي، وهو دوام اشتياقها للرجل، وأنه يسود عليها.

وهذه العقوبات كافية في تحقيق الخلاص لها ولجنس النساء بعدها " المرأة أغويت، 

فحصلت في التعدي، ولكنها ستخلص بولادة الأولاد، إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل" (تيموثاوس (1) 2/14).

ونلحظ أن هذه العقوبة وعقوبة آدم تختلفان عن العقوبة التي هدد فيها من يأكل من 

الشجرة "وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت "، ولم يمت آدم وحواء يومذاك ، بل عاشا قروناً متطاولة.

ولا يمكن أن يقال بأن الموت المقصود موت معنوي لأنه لا يفهم من السياق، ولقول 

بولس: "كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع " ( رومية 5/23 ).

و مما يصرف الموت عن المجاز إلى الحقيقة أن النص يقول: " لأنك يوم تأكل منها 

موتاً تموت " فكما الأكل حقيقي، الموت حقيقي، وأيضاً التأكيد في قوله: "موتاً تموت" يمنع المجاز.

والحق أن آدم حين أكل من الشجرة - وفقاً للنص التوراتي - قد اكتسب حياة روحية 

سامية، فقد حاز معرفة فريدة كمعرفة الله العليم الخبير "وتكونان كالله عارفين الخير 

والشر ... قال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر" 

(التكوين 3/5 ، 22)، وإن عاقلاً في الدنيا لا ينكر أهمية هذه المعرفة للإنسانية التي 

ترتع بالشرور وقد عرفتها، فكيف يكون حالها لو لم تعرفها، ولم تميز بينها وبين الخير؟

ومما يؤسف له أن النص التوراتي يجعل الحية أصدق مقالاً من الله، لقد قال لآدم: " 

فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت "، ولم يمت حين آكل منها، فيما صدقت 
الحية حين قالت مكذبة الله: "لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما 

وتكونان كالله عارفين الخير والشر" وكان كما أخبرت، فهل يليق ورود مثل هذا في كتاب ينسب إلى الله العليم القدير؟!

الثلاثاء، 21 يونيو، 2016

خطيئة آدم والذنب الموروث2

خطيئة آدم والذنب الموروث:
نقد القصة التوراتية للخطيئة الأولى
إن التأمل في القصة التوراتية يثير عدداً كبيراً من الأسئلة، ويشكك في مصداقية الرواية التي بنى عليها النصارى أحد أكبر أوهامهم.
وأول ما نلاحظه أن الرواية التوراتية تتحدث عن الذات الإلهية بما لا يليق وشمولية علم الله وتنزهه عن النقائص، ومنه نسبة الجهل إليه جل وعلا، إذ يقول السفر: " وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب النهار، فاختبأ آدم وامرأته في وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم، وقال له: أين أنت ؟ "، فسؤاله ليس سؤالاً تقريرياً، وليس تأنيبياً، بل هو استفهامي، صدر عن عاجز عن الوصول إلى من توارى عنه حين سمع وقع أقدامه.

كما نسبت الرواية التوراتية الإغواء إلى الحية، فلئن كانت الحية حقيقية كما يذهب إليه مفسرو أهل الكتاب، فالسؤال: هل الحيوان يكلف ويعاقب، وهل أرسل له رسل من جنسه، وأين أشار العهد القديم لمثل هذا التكليف الغريب؟
ورغم تفسير الكتاب للحية بأنها رمز للشيطان (انظر الرؤيا 20/2)، فإن سفر التكوين كان يتحدث عن حية حقيقية، وليس عن معنى رمزي، فقد وصف الحية بأنها من البهائم "الحية أحيل جميع حيوانات البرية"، وقال عنها: " ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تسعين"، فالحديث عن حية حقيقية نراها إلى يومنا هذا وهي تسعى على بطنها، عقوبة للعصيان، كما جاء في السفر التوراتي.
كما يجعل السفر التوراتي سبب إخراج آدم من الجنة الخوف من تسلط آدم على شجرة الحياة " والآن لعله يمد يده، ويأخذ من شجرة الحياة، ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ".
ويبقى السؤال الأهم: ما هي معصية آدم؟ وتأتي الإجابة التوراتية واضحة، لقد أكل من الشجرة المحرمة، شجرة معرفة الخير والشر، لقد عرف الخير والشر. فماذا ترتب على هذه المعرفة من ثمرة مشينة؟ لا يذكر النص التوراتي لهذه الفعلة أثراً سوى أن آدم وحواء عرفا بأنهما عريانان، إذ انكشفت لهما الأمور بمعرفتهما للخير والشر.
لكن المعرفة سلم للوصول إلى الحقيقة، ولم تحرم إلا في زمن الطغاة والمستبدين، فهل كان بحث آدم عنها وتشوقه إليها جريمة! أليس ذلك تحقيقاً للمشيئة الإلهية في إقامة الجنس البشري.
ثم من الظلم أن يعاقب آدم - حسب النص - على ذنب ما كان له أن يدرك قبحه، إذ لم يعرف بعدُ الخير من الشر، بل ونتساءل: كيف وقع آدم في الإثم وهو غير ميال للشر والخطيئة التي دخلت للإنسان بعده كما يزعم النصارى.
أما الإسلام فيعترف بالجبلة البشرية التي خلق الله الإنسان عليها فهو مستعد للخير والشر، مدرك لهما، ولذا فهو مكلف بفعل الخير وبالامتناع عن الشر، ومحاسب على ذلك.
وثمة مسألة أخرى هامة من الذي يتحمل وزر الذنب آدم أم حواء؟
يذكر النص التوارتي ما يفهم منه براءة آدم من غواية الحية وإدانة حواء بها، ففيه أن حواء التي أغوتها الحية فأكلت " وأعطت رجلها أيضاً معها، فأكل ".
ولما سئل عن فعلته قال آدم: " المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة، فأكلت"، وبراءة آدم من غواية إبليس صرح به بولس، فقال: " وآدم لم يغو، لكن المرأة أغويت، فحصلت في التعدي " (تيموثاوس (1) 2/14 )، لأنه "كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم " (رومية 5/12).
ولا ريب أن لهذا كبير علاقة مع النظرة اليهودية للمرأة حيث تزري بها شرائع اليهودية، وهي في هذا النص تعتبرها سبباً للخطيئة، وقد قال ابن سيراخ في سفره: "من المرأة نشأت الخطيئة، وبسببها نموت أجمعون" (ابن سيراخ 25/24).
والقرآن الكريم عندما تحدث عن خطيئة آدم حمّل آدم - وهو الرجل، رب الأسرة وصاحب القرار الأول فيها - المسئولية الأولى ( وعصى آدم ربه فغوى( (طه:121).

الجمعة، 17 يونيو، 2016

خطيئة آدم والذنب الموروث1

خطيئة آدم والذنب الموروث
تبدأ قصة الخطيئة ثم الخلاص والفداء عندما خلق الله آدم في جنته، ونهاه عن الأكل من أحد أشجارها، فأغواه إبليس، فوقع الأبوان في شراك كيده، وأكلا من الشجرة المحرمة، فعاقبهما الله بما يستحقا، وأنزلهما إلى الأرض.
فمدخل عقيدة الخلاص والفداء هي تلكم القصة التي حصلت في فجر البشرية، فلنرَ ماذا يقول الكتاب المقدس عن تلك القصة، ولنبدأ باستعراض قصة ذنب آدم كما جاءت في سفر التكوين.
قصة خطيئة آدم في سفر التكوين
يقول سفر التكوين: " وأخذ الرب الإله آدم، ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها، وأوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت ...
وكانت الحية أحيَل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله؟، فقالت للمرأة: أحقاً قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منه، ولا تمساه لئلا تموتا.
فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها، وأكلت، وأعطت رجلها أيضاً معها، فأكل فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان. فخاطا أوراق تين، وصنعا لأنفسهما مآزر.
وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة.
فنادى الرب الإله آدم، وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة، فخشيت لأني عريان، فاختبأت.
فقال: من أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت.
فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: الحية غرّتني فأكلتُ.
فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم. ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين، وتراباً تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينكِ وبين المرأة وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه.
وقال للمرأة: تكثيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك.
وقال لآدم: لأنك سمعت لقول امرأتك، وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلاً: لا تأكل منها. ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تنبت لك، وتأكل عشب الحقل، بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب، وإلى تراب تعود ...
وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر، والآن لعله يمد يده، ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً، ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها، فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة " (التكوين 2/15-3/24).

الأحد، 22 مايو، 2016

عقيدة الخلاص عند الفرق النصرانية3

                                           عقيدة الخلاص عند الفرق النصرانية  
صكوك الغفران للخلاص من القصاصات :
وكوسيلة للخلاص من عذاب المطهر ظهر عند الكاثوليك مبدأ الاعتراف الكنسي بين يدي الكاهن والتبرير بصكوك الغفران التي أقرت في المجمع الثاني عشر المنعقد في روما سنة 1215م ، وقرر فيه المجتمعون أن " الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء ".
وقد استندت الكنيسة في هذا المعتقد إلى عدد من النصوص التي رأوها تمنحهم هذا السلطان، منها أن المسيح خاطب بطرس قائلاً: " أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات" (متى 16/18 - 19)، ولما كانت الكنيسة تعتبر نفسها وارثة لبطرس ورثت أيضاً هذا السلطان عنه.
وأيضاً يقول يوحنا بأن المسيح قال لتلاميذه: " من غفرتم للناس خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت " ( يوحنا 20/23).
فقد ورثت الكنيسة ورجالها دور المسيح الوسيط الذي وصفه بولس: " يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح " ( تيموثاوس (1) 2/5 ).

وقد ووجه قرار المجمع باحتجاجات طويلة من الذين رفضوا أن يكون قرار الغفران بيد رجال الكهنة الخاطئين. كيف لهؤلاء أن يمنحوا الخلاص والغفران؟
وفي عام 1869م صدر قرار يفيد عصمة البابا خروجاً من هذه الاحتجاجات وغيرها، وقد ظهر بعد انتشار صكوك الغفران ما أسمته الكنيسة بالتعويض السري، ويشرحه " معجم اللاهوت الكاثوليكي " فيقول: " الإنسان يخضع لهذه المراحل التطهيرية، إذ يموت مبرراً بالنعمة، بمقدار ما تكون حالة العقاب ( المستحق ) لا تزال موجودة فيه، ولم تزل بزوال الخطايا بالغفران يوم التبرير، وبمقدار ما بالإمكان أن تزيل هذه الحالة عقوبات تعويضية ... فإذا لم نتم التعويض السري بعد أن نكون قد أكدنا إرادتنا كلياً للتعويض يظل السر صحيحاً، إنما يجب أن نقوم بذلك التعويض محتملين نتائج الحقيقة الأليمة ".
ويجدر أن ننبه إلى أن بدعة الاعتراف الكنسي ومهزلة صكوك الغفران التي بقيت الكنائس تصدرها ردحاً طويلاً من الزمن كوسيلة لتحصيل الخلاص كانتا أهم أسباب وجود فرقة البروتستانت وانشقاقهم عن الكنيسة الكاثوليكية.
وهما في الحقيقة نوع وصورة من صور وثنية النصارى، فالغفران الذي يمنحه القسيس للمعترف أو لدافع رسوم صكوك الغفران فتح لأبواب الجنة وتحديد لمصير البشر، وعليه فإن هؤلاء الذين يملكونها غدوا في الحقيقة آلهة أخرى تضاف إلى التثليث الذي يقولون به.
وحين يتأمل العقل المجرد في صورتي الحصول على الغفران التي اعتمدتها الكنيسة فإنه يستقبحها ويمجها، حيث يجلس التائب أو التائبة في خلوة بين يدي رجال الكهنوت المتبتلين والممنوعين من الزواج، فتقص الفاجرة قصة فجورها بين يديه، طالبة منه الغفران والصفح، ولا يخفى ما يسببه هذا الاعتراف من الفتنة والفساد والبغاء.
وأما الصيغة الأخرى للحصول على الغفران والمتمثلة بدفع المال لرجال الكهنوت فهي نوع من الامبريالية في الدين، إذ الذي لا يجد من المال ما يشتري به صك غفران، فليس عليه إلا أن يهيئ نفسه لدخول النار، وبئس القرار، لأن الجنة - بمقتضى هذا المنطق المعكوس، والفهم المنكوس- ستكون مخصصة للأغنياء فقط.
الخلاص عند البروتستانت :
أما البروتستانت فإنهم يترددون بين شرط الإيمان للخلاص، وبين إسقاط هذا الشرط ، إذ يراه بعضهم خلاصاً يشمل كل الخطايا، كما ينفع كل الناس، مؤمنهم وكافرهم.
يقول جورد فورد في كتابه "نور العالم": "العاقل يعلم أن شروط الخلاص والهلاك أجلُّ وأعدل من أن تكون مذهبية، أو تتنوع باختلاف الشعوب والنحل".
ويقول أنيس شروش في مناظرته لديدات: " يسوع الناصري، هو الذي حقق هذه النبوءة، وذلك بالموت نيابة عن الخطاة، كل الخطاة، وليس فقط آدم وحواء ".
ويقول أيضاً: " الخلاص ليس للمسلمين، ولا لليهود، ولا للآخرين، إنه لنا جميعاً، إن الله يحبنا، لقد أصبح الله ابناً، وأصبح الابن إنساناً، وهكذا أصبحنا نحن كبشر أبناء الله ".
ويقول العالم البروتستانتي ترثون: " نحن نجتاز نحو مبدأ الكفارة، تلك هي أن المسيح قد أصبح إلى حد ما بمعنى الفداء عن الخطيئة، ومن ثم فقد صالح الله الأب الإنسان الخاطئ، " لأنه إن كنا ونحن أعداء، فقد صولحنا مع الله بموت ابنه " ( رومية 5/10 ).

الخميس، 19 مايو، 2016

عقيدة الخلاص عند الفرق النصرانية2

عقيدة الخلاص عند الفرق النصرانية
الخلاص عند الكاثوليك والأرثوذكس
يعتقد الكاثوليك والأرثوذكس أن الخلاص لا يشمل جميع الذنوب، إنما يشمل الخطيئة الأصلية، وكما يقول القديس أوغسطينوس في كتابه "The Enchiridion": بعد الفداء عادت للبشرية حريتها وإرادتها التي سلبتها بذنب آدم، فإذا ما أتى المتعمِّد ذنباً بعد معموديته، فسيعود مستحقاً للعذاب الدائم إن كان الذنب كبيراً.

أما إن كان الذنب صغيراً فيكون عذابه في " المطهر " الذي يعذب به المؤمنون ردحاً من الزمن حتى يخلصوا من القصاصات التي عليهم. 
يشرح كتاب التعليم المسيحي لطلبة المدارس الصادر عن المرسلين اليسوعيين عذاب المطهر، فيقول: "المطهر هو محلُّ عذاب تتمم فيه نفوس الأبرار فرض الإيفاء عن خطاياها قبل الدخول إلى السماء ... الذين يذهبون إلى المطهر هم الذين يموتون بحال النعمة، إلا أنهم لا يخلون من الخطيئة العرضية، أو هم الذين لم يوفوا بالتمام للعدل الإلهي ... إن عذاب المطهر لأشد من كل عذاب في هذه الدنيا .. إن النفوس تبقى في المطهر إلى أن تُوفي بالتمام للعدل الإلهي".
ودليل الكاثوليك في تقرير هذه العقيدة ما جاء في مرقس: " كل واحد يملح بالنار، وكل ذبيحة تملح بالملح " ( مرقس 9/49 ) فهو عذاب يشمل كل مؤمن عليه قصاصات.
وأيضاً استدلوا بقول بولس: " فعمل كل واحد سيصير ظاهراً، لأن اليوم سيبيّنه، لأنه بنار يستعلن، وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو، إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة، إن احترق عمل أحد فسيخسر، وأما هو فسيخلص، ولكن كما بنار" (كورنثوس (1) 3/13-15).
إذاً فالفداء عند الكاثوليك والأرثوذكس يتلخص بقول هنري أبو خاطر: " هو تجسد الإله لتخليص البشرية من شوائب الخطيئة الأولى ".
ولولا فداء المسيح للجنس الإنساني لهلك الجميع كما هلك السابقون للمسيح الذين سبقوا مجيء الفادي، وفي مقدمة الهالكين - وفق الفكر النصراني - الأنبياء، الذين يقول عنهم بولس سلامة في كتابه " مع المسيح ": " كانوا في أليمبس - أي جهنم - مقر لأرواح الصالحين الأبرار الذين أوصدت في وجههم أبواب السماء، بسبب خطيئة آدم الأولى، فلبثوا حتى مجيء آدم الثاني، أي المسيح ".
ويقول عوض سمعان عن موسى عليه السلام: " ومهما كانت عظمة موسى، فإنه لولا نعمة المسيح له، لكان قد هلك واستحق عقاباً أبدياً على خطيئته ".
وللحديث بقية إن شاء الله وقدر.

المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان1

المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان: وها هي المزامير تبشر بالنبي الخاتم، ويصفه أحد مزاميرها، فيقول مخاطباً إياه باسم الملك: "فاض قلبي ...