الجمعة، 31 أكتوبر، 2014

المسيح في القرأن (٣)

المسيح في القرآن ( 3 )

بعد أن طفنا في رياض حديث القرآن عن حياة عيسى عليه السلام من ولادته إلى بعثته ، نأتي هنا على قضايا أخرى هي في حقيقتها نقدٌ لما عليه النصارى من الآراء الباطلة ، ولعل من أهمِّ تلك القضايا ما يتعلق بحقيقة المسيح وهل هو ابن الله أم لا ؟ وهل حقيقة المسيح لاهوتية أم ناسوتية ؟ وما هو الحق فيما حصل للمسيح في أخريات حياته هل رفع إلى السماء أم صلب على الخشبة ؟ ، تلك هي أهم قضايا الخلاف بين الأمتين النصرانية والإسلامية ، ونحاول أن نبين في هذا المقال - من خلال العرض القرآني - الحق القاطع في ذلك ، على أن نرجئ الكلام في نقد أقوال النصارى من واقع كتابهم في مقالات لاحقة .
المسيح والرفع المبارك
لم يسلم عيسى - عليه السلام- من أذى اليهود الذين بُعث لهدايتهم ، حتى بلغ بهم أن شكوه إلى الرومان ليقتلوه ، وهنا تتفق اليهودية والنصرانية على أعظم فرية ، ألا وهي القول بصلب المسيح - عليه السلام- ، ولكلا الطائفتين تفسيرهما لحادثة الصلب ، غير أن القرآن الكريم ينسف دعواهما معاً ، ويثبت حقيقة كانت غائبة عن الكثيرين وهي أن عيسى - عليه السلام- لم يصلب وإنما رفعه الله إليه ، بعد أن ألقى الله شبهه على واحد – قيل من أعدائه ، وقيل من أتباعه - حيث قام الرومان بصلبه .
يقول الله في بيان وتجلية هذه الحقيقة : { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } (النساء:157-158) وقال أيضاً :{ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }(آل عمران:55)
بيان كفر النصارى في اعتقادهم ألوهية المسيح
لقد أوضح القرآن الكريم مبلغ الضلال والغي الذي وصل إليه النصارى حين اعتقدوا ألوهية المسيح - عليه السلام- الذي أرسله الله تعالى داعياً إلى وحدانيته جلا وعلا ، فقد تحول في أذهان هؤلاء الجهلاء إلى إله يُعبد من دون الله ، لذلك وبموجب هذه العقيدة الشركية فقد صرح القرآن الكريم بكفرهم ، فقال سبحانه :{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ }(المائدة:72)
وعظ النصارى بترك الغلو
بعد أن أبان الله حقيقة عيسى - عليه السلام- وأنه رسول من عند الله عز وجل بعثه لهداية الخلق لطريق الحق ، وعظ سبحانه النصارى في غلوهم فيه ، وأمرهم بالانتهاء عن أقوالهم الباطلة ، ودعاهم إلى القول بما أخبر به من أن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله ، فقال سبحانه :{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً }( النساء:171)
المسيح ينفي ما ادعته النصارى فيه
يقول الله جل جلاله في ذلك :{ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ علاّم الْغُيُوبِ }( المائدة:116) ، ففي الآية ينفي عيسى - عليه السلام - عن نفسه ما زعمته النصارى فيه من القول بألوهيته وأمه من دون الله جل وعلا ، وفي هذا النفي أعظم الحجة على ضلال النصارى ، لعلهم يرجعون عن ضلالهم وغيهم .
عيسى والنزول آخر الزمان
وهذا حديث آخر عن عيسى - عليه السلام- ، يخبر فيه رب العزة والجلال عن علامة من علامات الساعة العظام وهي نزول عيسى - عليه السلام- من السماء لينهي بخروجه وانضمامه إلى المسلمين وتمسكه بشريعتهم ، حالة من الجدال بين الأمم الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلامية ، قال تعالى مبينا هذه الحقيقة :{ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }(الزخرف:61) قال ابن عباس في تفسير المراد بالآية :هو نزول عيسى - عليه السلام- ، وقال أيضاً:{ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً }( النساء:159) ومعنى الآية على أحد الأقوال – كما يقول الإمام الطبري- أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى وأنه عبد الله ورسوله قبل أن يموت وذلك عند نزوله آخر الزمان لقتال الدجال ، وقد أوضحت السنة النبوية تفاصيل هذا النزول ، وتكلمنا عنه في مقال سابق بما يغني عن إعادته .
وبهذه الأسلوب الرائع الذي حدَّث به القرآن عن شخصية عيسى - عليه السلام- تتشكل في ذهن كل مسلم صورة واضحة المعالم ، صورة - على روعتها - سهلة في فهمها واستيعابها ، ويمكن تلخيصها بكلمات يسيرة ، فعيسى - عليه السلام- وإن كانت ولادته معجزة من أمٍّ بلا أبٍ ، إلا أنه كسائر الرسل فيما سوى ذلك ، فهو بشر أرسله الله عز وجل داعية إلى بني إسرائيل ، وأنزل عليه الإنجيل ، وأيده بالآيات والمعجزات ليكون دليلا وبيانا على صدق نبوته ، وحجة على من خالف وعاند وكفر ،{ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ }(مريم :34 )، نسأل المولى عز وجل أن يهدينا للحق ، وأن يحببه إلينا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين

الأحد، 26 أكتوبر، 2014

المسيح في القرآن ( 2 )


المسيح في القرآن ( 2 )
ها نحن نكمل ما ابتدأناه من حديث القرآن عن نبي الله عيسى عليه السلام ، هدفنا من ذلك إيضاح حقيقة ذلك النبي ، وحقيقة دعوته من خلال العرض القرآني الواضح والمتميز ، حتى إذا اطلع المرء على البيان القرآني ، علم حقيقة المسيح عليه السلام ، واحتقر تلك الطلاسم والألغاز التي أحاط النصارى بها شخصيته ، فعسر فهمها ، وإدراك حقيقتها ، حتى على كبار قساوستهم ورهبانهم فضلا عن عامتهم ، حتى قيل : لو اجتمع عشرة من النصارى لتفرقوا على أحد عشر قولا ، فنحمد الله أن هدانا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
وقد سبق أن ذكرنا بعضا من حديث القرآن عن نبي الله عيسى عليه السلام ، وها نحن نكمل فيما يأتي هذا العرض القرآني الممتع .
عيسى يبشر بنبي الإسلام
من خلال حديث القرآن عن عيسى - عليه السلام - علمنا ببشارته بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وهو الأمر الذي حاولت النصارى إخفاءه ، حتى لا تكون حجة عليهم في عدم إسلامهم ، ونسوا أن الحجة البالغة لله وحده ، قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ }( الصف:6) ، ولا ننسى أن نذكر أن النصارى وإن حاولوا طمس البشارات المتعلقة بنبي الإسلام إلا أن الله قد أعمى أبصارهم عن بعضها – لتكون حجة عليهم – وهذه البشارات سنعرض لها في مقال لاحق مستقل .
معجزات عيسى عليه السلام
ولما كان عيسى عليه السلام أحد الرسل الكرام الذين بعثهم الله لتبليغ دينه ، فقد آتاه الله من الآيات المعجزات ما كان دليلا على صدق دعوته ، فمن ذلك إحياء الموتى ، وشفاء المرضى ، ولا سيما من الأدواء المستعصية كالعمى والبرص ، وغير ذلك من المعجزات مما هو مذكور في قوله تعالى : { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأكمه وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ }( المائدة:110) ، ومن معجزاته عليه السلام ، استجابة الله عز وجل لدعائه في إنزال مائدة من السماء تلبيةً لطلب الحواريين – أصحابه – حتى يزدادوا يقيناً بنبوته ، قال تعالى مبينا هذه المعجزة :{ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }(المائدة:112- 114)
المسيح يستنصر بالحواريين
اتهم عيسى – عليه السلام - مثلما اتهم غيره من الأنبياء بالسحر ، وأصبح ما آتاه الله إياه من الآيات المعجزات في نظر الجهلة الأشقياء ضرباً من السحر يستوجب الفرار من عيسى لا الإيمان به ، وبهذا أصبحت المعجزة عندهم سبباً للنفور والإعراض بدلاً من أن تكون سببا للهداية والإذعان ، وأمام هذا النفور العام من بني إسرائيل طلب عيسى عليه السلام النصرة في نشر الدعوة وإبلاغ الدين من الحواريين – وقد سموا بذلك لبياض ثيابهم أو لاشتغالهم بتبييض الثياب – فأجابوه إلى ما دعا ، وأصبحوا من خاصته ، قال تعالى مخلداً هذا الموقف الكريم من الحواريين :#{ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران:52) .
ونقف عند هذا الموقف ، لنكمل حديث القرآن عن عيسى عليه السلام في مقال آخر ، سائلين الله عز وجل أن يجعل ما نكتبه خالصا لوجهه الكريم ، وأن ينفع به قارئيه ، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين .
............................
نقلا عن موقع التوضيح لدين المسيح

الأربعاء، 22 أكتوبر، 2014

المسيح في القرآن ( 1 )

المسيح في القرآن ( 1 ) 
 أبدى القرآن الكريم اهتماما بالغاً بشأن نبي الله عيسى عليه السلام ، فابتدأ سرد قصته بذكر ولادة أمه ، ونشأتها نشأة الطهر والعفاف والعبادة والتبتل ، ثم ذكر إكرام الله تعالى لها بأن رزقها غلاما بدون أب ، حيث أرسل لها جبريل - عليه السلام – ليبشرها ، ولينفخ فيها فتحمل بعيسى عليه السلام ، ثم ذكر رعاية الله لها أثناء حملها ، ورعايته لها أثناء ولادتها به ، ثم حديثها مع بني إسرائيل واستنكارهم الولد ، وكلام عيسى في المهد تبرئة لأمه مما قذفها به اليهود ، وغير ذلك من أحداث ،كل هذا الاهتمام القرآني جاء ليبين ضلال اليهود الذين بُعِثَ فيهم عيسى عليه السلام ، فافترقوا فيه طائفتين : طائفة كفرت به ورمته بأفحش السبِّ ، وطائفة آمنت به وناصرته وبقوا متمسكين بدينه حتى بعد رفعه إلى السماء ، ثم جاء من بعدهم من غيَّر وبدَّل وغلا في عيسى عليه السلام فرفعه إلى مقام الألوهية ، لذلك اهتم القرآن الكريم ببيان حقيقة عيسى ، وحقيقة دعوته ، وبيان ضلال من ضل فيه - سواء من كفر به ، أو من غلا فيه - فجاء بيانه غاية في الوضوح والجلاء ، فلم يدع شبهة إلا أزالها ، ولا حقيقة إلا أبانها ، ولنأت على ذكر ذلك بشيء من التفصيل :
 الميلاد المعجزة
أوضح القرآن الكريم كيفية حمل مريم بعيسى عليه السلام ، قال سبحانه في بيان ذلك : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً }( مريم:16- 19) ، وأوضح في آية أخرى أن جبريل عليه السلام نفخ في مريم فكان الحمل بإذن الله ، قال تعالى :{ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }(التحريم:12)
المسيح وحياة البشر
بعد ولادة عيسى عليه السلام ، عاش حياة طبيعية جدا ، يأكل مما يأكل البشر ، ويشرب مما يشربون ، ويذهب لقضاء حاجته ، إلى غير ذلك مما تقتضيه الطبيعة البشرية ، وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ، في إشارة للرد على النصارى الذين ادعوا ألوهيته – عليه السلام - ذلك أن أخص وصف للإله الغنى المطلق ، ومن يحتاج إلى الطعام والشراب لإقامة صلبه ، كيف يوصف بالألوهية ، قال تعالى مبينا هذه الحقيقة :{ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }(المائدة:75)
إزالة الإشكال في طبيعة عيسى عليه السلام
لعل منبع الإشكال عند بعض الناس في عيسى - عليه السلام – ولادته من أم بلا أب ، وقد استغل اليهود هذه القضية وأرادوا أن يتخذوا منها مسلكا للطعن في نبوته عليه السلام ، والأمر أضعف من ذلك ، فإن من الأنبياء من أقرَّ الكل بنبوته ، وكان وجوده أبعد عن العادة البشرية وأكثر إعجازا من وجود عيسى - عليه السلام - إنه آدم - عليه السلام – حيث خلق من غير أب ولا أم ، فمن آمن بآدم لزمه ضرورة أن يؤمن بعيسى، ثم إن مكمن الخطأ وقمة الضلالة في قياس قدرة الله عز وجل على قدرة البشر ، فقانون العادة يحكم تصرفات وقدرات البشر ، وليس قدرة الله سبحانه ، فالله على كل شيء قدير ، فلا تحكمه عادة ، ولا يعجزه أمر ، فالله يخلق بأب ، ومن غير أب ، ومن غير أب وأم ، قال سبحانه وتعالى : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }(آل عمران:59) .
بيان رسالة المسيح عليه السلام
لم يفتأ القرآن الكريم يُذكِّر بحقيقة عيسى - عليه السلام - وحقيقة دعوته ، وأنه ما هو إلا رسول من عند الله بعثه لتبليغ دينه ، وإعلاء شريعته ، فمرة يذكر هذه الحقيقة بصيغة الحصر ، كقوله تعالى :{ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ }(المائدة:75) ، وتارة يذكر المسيح في معرض ذكره للرسل الكرام عليهم السلام ، على اعتبار أنهم إخوانه وهو واحد منهم ، كقوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً }(النساء:163) وغيرها من الآيات التي تدل دلالة قاطعة على أن عيسى عليه السلام ما هو إلا رسول من عند الله عز وجل .
هذا بعض حديث القرآن عن نبي الله عيسى الذي ضل فيه اليهود والنصارى على السواء واهتدى أهل الإسلام لحقيقته وحقيقة دعوته ، وسوف نكمل الحديث عنه في مقالات لاحقة ، نسأل المولى عز وجل أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
..............................
نقلا عن موقع التوضيح لدين المسيح

الاثنين، 20 أكتوبر، 2014

بولس رسول النصرانية الحقيقي !!!

ضياء الحق محمد الرفاعي ـ سوريا
( شاؤول ) الذي تسمى ( بولس ) فيما بعد هو  مؤسس النصرانية الحالية ، فالدين الحالي هو دين بولس ، ونصارى اليوم بجميع طوائفهم يتبعون ( بولس ) ويدعونه رسولا .
 
ودعوني أعرض على حضراتكم ملخصا لحال رسول النصارى  فالضد يظهر حسنه الضد .
 
مات المسيح عليه السلام ولم يُملِ الإنجيلَ على حوارييه كما فعل النبي محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ . بل تركه تعاليمٌ في الصدور ، ولم يترك أتباعا كثيرين إذ كان تلاميذه ــ الحواريين ــ إثنا عشر رجلا منهم يهوذا الاسخريوطي الخائن  ، وتعرضوا بعده لاضطهاد شديد فتفرقوا في البلاد ، وفور  رفع المسيح عليه السلام ــ دخل النصرانية رجلا يقال له (شاول ) وتسمى بعد ذلك ( ببولس ) [  10 م  ـــــ 67 م ]   ، وهو الذي أسس النصرانية الحالية . فكل ما هو موجود اليوم ــ تقريبا ــ من النصرانية يرجع إلى ( بولس الرسول ) كما يسمونه ، فهو رسول النصرانية الحقيقي .
 
هذا الرجل كان يهودي الأب والأم ، شديد التعصب لدينه ، دارسا للفلسفة على يد أشهر معلميها في زمانه ، حاقدا أشد الحقد على النصرانية ، مشمرا عن ساقه في معاداة هذا الدين الجديد ،وكان لصا سارقا يسطو على الكنائس والمعابد ، وبين عشية وضحاها ، وفي قصة لم يرويها غيره وتتضارب حولها روايات المؤيدين فضلا عن المعارضين تحول ( بولس ) إلى ( رسول ) من عند ( رب المجد يسوع[1] ) . حيث ادعى أن ( الرب يسوع ) ظهر له وهو في طريقه لدمشق وعاتبه على معاداته له ولأتباعه ، وأمره بأن يكون رسولا له إلى الناس يتكلم لهم بلسان المسيح ــ عليه السلام ـ .
وحيث أن الحواريين قلة ومضطهدون ومشتتون ، واليهود هم المسيطرون ، أخذ ( بولس ) يتكلم  بما يحلو له .وخُلع عليه لقب ( رسول ) وهو لم يكن ـ ولو ليوم واحد ـ من تلاميذ المسيح ــ عليه السلام ــ .  
 
ماذا فعل بولس ؟!
 
 عزل المسيح ـ عليه السلام ـ وجعله إلها يعبد مع الله ، وأخذ هو دور الرسول .
بكل ما تعنيه كلمة رسول  من معاني ، فأحل وحرم  ، وكتب الرسائل إلى البلاد ، وضمت رسائله فيما بعد للكتاب ( المقدس ) . فأحدث أخطر  انحراف عقدي عرفته البشرية ، وهو ما يعرف بالمسيحية اليوم . . . كل النصارى يعظمون ( بولس ) وهو عند كلهم  ( رسول ) من عند ( رب المجد يسوع ) !!.
 
اسمع إليه وهو يحكي قصة ظهور المسيح   ـ  عليه السلام  ــ  له وتكليفه له بالرسالة . يقول :
 "  فقلت أنا من أنت يا سيد فقال انا يسوع الذي انت تضطهده. ولكن قم وقف على رجليك لاني لهذا ظهرت لك لانتخبك خادما وشاهدا بما رأيت وبما ساظهر لك به .  منقذا إياك من الشعب ومن الامم الذين انا الآن ارسلك اليهم " [ انظر أعمال الرسل : :26:15 ]
 
وقارنوا هذا بحال رسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـــ قبل البعثة وهو الصادق الأمين ، وهو الذي لم يسجد لصنم ، ولم يشرب خمرا ولم يعرف عنه أدنى انحراف خلقي ، وهو  يتعبد في الغار الليالي ذوات العدد .
 
وأخذ ( بولس ) يكلم الناس على أنه رسول (رب المجد يسوع ) إليهم ، وأخذ يملي عليهم رؤاه وأحلامه على أنها وحي من عند ( الرب يسوع ) .
فأحل حرامهم وحرم حلالهم ، وكتب  بيده في كتابهم . مدعيا أنها تعاليم ( الرب يسوع )
 
وكان هذا الرجل يكذب على الله علانية مبررا ذلك بأنه وسيلة لرفعة الرب .[2]!!
 يقول في رسالته لرومية [Rom:3:7]ـ وهي مدرجة ضمن ( الكتاب المقدس ) الذي يقولون أنه وحي من عند الله " فانه ان كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده فلماذا أدان انا بعد كخاطئ. (SVD).
 
وكان هذا الرجل يصانع الناس ، ويتعامل مع كل ملة بما تعتقد وتحب . اسمع  يقول في رسالته الأولى لكرونثوس [ 9 : 20 وما بعدها ] َصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ
وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ - مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ لِلَّهِ بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ - لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ.
"  وَهَذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ لأَكُونَ شَرِيكاً فِيه
 
وقد أصبح بالفعل شريكا في الإنجيل .
 
وقارن هذا بحال نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ــ وهو يواجه الجاهلية كلها علانية دون مواربة ولا مداهنة بل مصارحة ومكاشفة تامة تميز الحق من الباطل . بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم .
 
وهذه حالةٌ تذكرك بأقطاب الصوفية ، والمشعوذين ، إلا أنها في أمتنا وجدت علماء السنة وقفوا لها بالمرصاد ، أما هذه الحالة ــ أعني بولس ــ  فقد تطاولت وانتشرت حتى أفسدت كل شيء في النصرانية .
 
وهلك بولس مقتولا مشردا بلا أنصار يذكرون في روما سنة 67م ، وسبحان الله العظيم كيف تنصرف القلوب عن الحق وتعمى عن الطريق المستقيم ، يوجد في العهد القديم ـ الذي يؤمن به النصارى ــ  من النصوص ما يثبت أن حالة بولس هذه حالة كذّاب ، لا يمكن أن يُصدق . واسوق إليك دليلا من العهد القديم ودليلا من العهد الجديد  .اسمع .
 
في العهد القديم[3] . . سفر التثنية [13:1 ] : اذا قام في وسطك نبي او حالم حلما واعطاك آية أو أعجوبة ... فلا تسمع لكلام ذلك النبي او الحالم ذلك الحلم لان الرب الهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب الهكم من كل قلوبكم ومن كل انفسكم. .... وذلك النبي او الحالم ذلك الحلم يقتل لانه تكلم بالزيغ من وراء الرب الهكم الذي اخرجكم من ارض مصر وفداكم من بيت العبودية لكي يطوّحكم عن الطريق التي امركم الرب الهكم ان تسلكوا فيها.فتنزعون الشر من بينكم "
 
وكان بولس حالما ومات مقتولا كما يقول النص ـ أو النبوءة كما يسمونها ــ ومع ذلك اتبعوه  .!!
 
وفي العهد الجديد مقياس آخر لكذب المدعي ، وانظر كيف ينطبق تماما على بولس   . واسمع  : جاء في إنجيل متى 24 : 24 ما نصه : "  لأنه سيقوم مسحاء كذبة وانبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو امكن المختارين أيضا "
 
وفي متى أيضا [ 7 : 22 ــ23 ] " كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك اخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة.: فحينئذ أصرّح لهم اني لم اعرفكم قط.اذهبوا عني يا فاعلي الاثم "
ونبينا صلى الله عليه وسلم   مات منصورا مؤزرا . بعد فتح من الله مبين ونصر من الله عزيز .
 
وهذا الرجل هو الذي تكلم بالفداء ، وهو الذي تكلم في الصلب ، وأن المسيح بن الله أو هو الله كما يعتقدون ، وهو الذي حرم الختان وقد كانوا يختتنون ، وكان المسيح مختونا .
 
ومما ينبغي ذكره هنا أن هناك تشريعات ليست من بولس بل من الرهبان وأشهرها الصيام فوقته وما يؤكل فيها . وكل تفاصيله الموجودة الان ليست من شريعة المسيح بل ليست في الكتاب المحرف الآن . ..كلها من تشريعات الرهبان . فيما بعد .
ومما ينبغي أن يذكر هنا أيضا أن النصارى يلحقون بأنبيائهم كل نقيصة حتى الفاحشة والكفر وسب الرب والتطاول عليه ، وفي ذات الوقت يعظمون رهبانهم وقساوستهم .!!
فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة .
 
وقوم هذا حال رسولهم الذي يشرع لهم يسخرون من كل الكمال وجملة الجمال صلى الله عليه وسلم ؟!
ما كان لهم .
وما كان لي أن أقارن بين شخص سيء السيرة والمعتقد ونبيينا محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ وإنما فقط فعلت ليعلم القارئ أن القوم هم أولى بالسخرية . وأنهم لو تدبروا لكلحوا وما نطقوا .

-----------------------------------------------
[1] يسوع يقصد به المسيح عليه السلام .
[2] وهذا يذكرك بقول بعض الكذابين الوضّاعين للأحاديث . حيث قالوا نحن نكذب له وليس عليه . وكله كذب . وكله حرام .
[3] العهد القديم هو ما كان قبل المسيح ــ عليه السلام ــ ، والعهد الجديد هو الاناجيل الاربعة التي كتبت بعد المسيح عليه السلام ( متى ويحنا ولوقا ومرقص )

الجمعة، 10 أكتوبر، 2014

مغالطات نصرانية والرد عليها


 مغالطات نصرانية والرد عليها
 من المزاعم التي يطلقها النصارى ويروجون لها قولهم إن المسلمين وحدهم هم الذين ينظرون إلى الأناجيل نظر شك وريبة ، ويصفونها بالتحريف والتزوير ، وهذا الزعم صادر عن مغالطة صريحة وإغفال لحقائق التاريخ الثابتة ، إذ من الثابت تاريخيا أن مجمع نيقية ( 325م) هو من قام باختيار  الأناجيل الأربعة المعتمدة اليوم عند النصارى من بين مايزيد على سبعين إنجيلا ،  ولم يتم ذلك الاختيار وفق منهج علمي، تم على أساسه قبول ما قُبِل ورَدِّ ما رُدَّ ، وإنما كان الضابط في ذلك ما ظنه رعاة المجمع من عدم معارضة تلك الأناجيل لما تبنوه من القول بألوهية المسيح عليه السلام وأنه ابن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا .
وبالطبع فلم يكن هذا القول ليحظى بموافقة جل المؤتمرين، فقد عارضه جمع عظيم منهم، إلا أن قوة سيف الرومان حسمت الخلاف لصالح من ذهب إلى القول بألوهية عيسى عليه السلام ، وجعلت من المخالفين مبتدعة ومهرطقين، علما أنهم الأكثرية وفيهم عدد من الموحدين الذين نادوا بوحدانية الله لا شريك له وأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله .
وهكذا قضت قوة الرومان على هؤلاء المخالفين وخاصة الموحدين منهم بالملاحقة والتشريد، فلم ينتشر مذهبهم، بل اضمحل مع مرور الوقت حتى أضحى اليوم – فيما يظهر- من غير أتباع . وسوف نحاول في مقالنا هذا أن ننقل بعضا من مواقف قدماء النصارى الذي حكموا على هذه الأناجيل أو بعضها بالتحريف والتزوير حتى يرى المنصف أن المسلمين ليسوا وحدهم الذين وقفوا من هذه الأناجيل موقف المتشكك والمتهم.
نقل أقوال الفرق النصرانية القديمة التي يعدُّ النصارى أصحابها مبتدعة
الفرقة الأبيونية : ظهرت هذه الفرقة في القرن الميلادي الأول وكانت معاصرة لبولس ، فأنكرت عليه إنكاراً شديداً وعدَّته مرتداً ، وكانت تسلِّم من كتب العهد القديم بالتوراة فقط ، وتسلم من كتب العهد الجديد بإنجيل متىّ فقط، وتختلف النسخة المعتمدة عندهم عن النسخة المعتمدة عند أتباع بولس، فليس فيها مثلا البابان الأولان من إنجيل متى الموجود حاليا؛ لأنها تعتقد أن هذين البابين ومواضع أخرى كثيرة محرفة، وكانت تنكر ألوهية المسيح وتعتقد إنه إنسان فقط .
أ‌)    الفرقة المارسيونية :من فرق النصارى القديمة أيضا ، وكانت تنكر جميع كتب العهد القديم وتقول : إنها ليست كتباً موحى بها، وتنكر جميع كتب العهد الجديد إلا إنجيل لوقا وعشر رسائل من رسائل بولس ، وهذه الرسائل العشر المسلمة عندها مخالفة للرسائل الموجودة الآن ، وأما إنجيل لوقا فكانت هذه الفرقة تنكر البابين الأولين منه، وتنكر منه مواضع أخرى كثيرة .
ج ) فرقة ماني كيز : ومن أعظم علماء هذه الفرقة "فاستس" الذي عاش في القرن الرابع الميلادي ، وقد نقل "لاردنر" في تفسيره عن "أكستاين" ما يلي:
 قال "فاستس" : أنا أنكر الأشياء التي ألحقها في العهد الجديد آباؤكم  وأجدادكم بالمكر، وعيبوا صورته الحسنة وأفضليته؛ لأن هذا الأمر محقق : إن هذا العهد الجديد لم يصنفه المسيح ولا الحواريون ، بل صنفه رجل مجهول الاسم ، ونسبه إلى الحواريين ورفقاء الحواريين خوفاً عن أن لا يعتبر الناس تحريره ظانين أنه غير واقف على الحالات التي كتبها، وآذى المريدين لعيسى  إيذاءً بليغاً بأن ألف الكتب التي يوجد فيها الأغلاط والتناقضات .
  فزعيم هذه الفرقة كان ينادي بعدة أِشياء أبرزها :
1-  أن النصارى أدخلوا في العهد الجديد أشياء خارجة عنه .
2-   أن هذا العهد الجديد المعروف الآن ليس من كتابة المسيح ولا الحواريين ولا تابعيهم ، وإنما هو كتابة رجل مجهول الاسم .
3-  أن هذا العهد الجديد وقعت فيه الأغلاط والتناقضات .
وهذا المسلك أعني مسلك الطعن في مصداقية هذه الأناجيل لم يكن محصورا على فرق عدتها الكنائس شاذة ومبتدعة واتهمتها بالهرطقة والشذوذ ، بل إنه ليتجاوز ذلك ليشكل قناعات لدى مفسرين ومؤرخين مقبولين لدى النصارى كافة ، فمن هؤلاء :
أ‌)   "آدم كلارك" الذي قال في تفسيره : " أكثر البيانات التي كتبها المؤرخون للرب ( يقصد عيسى) غير صحيحة ؛ لأنهم كتبوا الأشياء التي لم تقع بأنها وقعت يقيناً ، وغلطوا في الحالات الأخر عمداً أو سهواً ، وهذا الأمر محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة ، كانت رائجة في القرون المسيحية الأولى، وبلغت هذه الأناجيل أكثر من سبعين إنجيلاً، وكان فابري  سيوس قد جمع هذه الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاثة مجلدات " .
ب) قال "لاردنر" في تفسيره : حكم على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفيها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان أناسطيثوس ( الذي حكم ما بين سنتي  491 – 518م ) فصححت مرة أخرى ، فلو كان للأناجيل إسناد ثابت في عهد ذلك السلطان ما أمر بتصحيحها ، ولكن لأن مصنفيها كانوا مجهولين أمر بتصحيحها ، والمصححون إنما صححوا الأغلاط والتناقضات على قدر الإمكان ، فثبت التحريف فيها يقيناً من جميع الوجوه ، وثبت أنها فاقدة الإسناد .
ج) قال "واتسن" : " إن "أوريجن" كان يشكو من الاختلافات ، وينسبها إلى أسباب مختلفة ، مثل غفلة الكاتبين وعدم مبالاتهم، ولما أراد "جيروم" ترجمة العهد الجديد قابل النسخ التي كانت عنده فوجد اختلافاً عظيماً " .
 د) وقال "آدم كلارك" في تفسيره : كانت ترجمات كثيرة باللغة اللاتينية  من المترجمين المختلفين موجودة قبل "جيروم"، وكان بعضها في غاية درجة التحريف ، وبعض مواضعها مناقضة للمواضع الأخرى ، كما صرح به جيروم .
هـ) قال المؤرخ الإنجليزي "توماس كارلايل" ( المتوفى سنة 1881م): المترجمون الإنكليزيون أفسدوا المطلب، وأخفوا الحق ، وخدعوا الجهال ، ومطلب الإنجيل الذي كان مستقيماً جعلوه معوجاً  وعندهم الظلمة أحب من النور ، والكذب أحق من الصدق .
و ) وخاطب "بروتن " كبير المسؤولين في مجلس الترجمة الجديدة في بريطانيا القسيسين قائلا : " إن الترجمة السائدة في إنكلترا مملوءة  بالأغلاط، وإنّ ترجمتكم الإنجليزية المشهورة حرفت عبارات العهد القديم في ثمانمائة وثمانية وأربعين ( 848) موضعاً، وصارت سبباً لرد كتب العهد الجديد من قبل أناس غير محصورين".
هذه بعض الأقوال التي نقلها صاحب كتاب إظهار الحق رحمت الله الهندي، وهي جميعها صادرة عن فرق نصرانية أو عن باحثين نصارى معتبرين، وكلها تشهد بتحريف هذه الأناجيل، ومن هنا نعلم أن المسلمين ليسوا وحدهم من قال بتحريف هذه الأناجيل، كما يزعم بعض النصارى، بل إننا نقول : إن كل من ينظر في هذه الأناجيل سواء من ناحية السند أو من ناحية المتن يعلم علما يقينيا أنها أناجيل محرفة، وأن يد العبث قد تدخلت فيها فزادت ونقصت، ولعل في مقالنا " الأناجيل ليست كلمة الله " شيء من الأمثلة على إثبات التحريف في تلك الأناجيل حيث ركزنا على نقد الأناجيل من نصوصها نفسها وليس من شيء خارج عنها .
نسأل المولى عز وجل أن يوفقنا لبيان الحق والدعوة إليه والعمل به ، وأن يهدي قلوبنا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
........................
نقلا عن موقع التوضيح لدين المسيح